ΗαγδΤζΡ Ρήγ (2) ΗαγδήΠ γδ ΗαέΚδ ζγΟγΡ ΟζαΙ ΗΣΡΗΖνα

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى:

(إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) الرعد7.

قال تعالى:

( رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) النساء 165.

 وقال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ ) الأنعام90.

 

 

الأخ : القارئ الكريم...

السلام عليكم ورحمة الله تعالي وبركاته

وبعد:

     إن التعتيم المعمي الذي ضربته وسائل الإعلام حول دعوتي إلي الله على هدي محمد صلي الله عليه وسلم ورفضها نشر أي مقال لي بالصحف السيارة، أو دور النشر حدا بي إلي التماس طريق آخر هو الاتصال بالعلماء من خريجى الأزهر وجامعة أم درمان الإسلامية وغيرهما. فوجدت العلماء كالعامة على دين ملوكهم .

ولما كان شأنى كشأن الدعاة إلي الله من قبل فإني لا أكل ولا أمل حتى بعد أن قيل لي قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين. فلجأت إلى هذه الوسيلة بتسطير هذه الرسالة إلي كل الهيئات المهنية والاجتماعية والثقافية والسياسية ولا أدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ما دامت لله جنود السماوات والأرض وهو القائل “َفإِنْ يَكْـفُرْ بِهـَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ “. الأنعام الآية 89.

وقد دفعني إلي هذا التوجه ما تبثه هذه الهيئات والتنظيمات عبر المنابر والمنتديات والصحافة والإذاعة بالوسائل المسموعة والمرئية تعبيراً عن حرصها على هذا الوطن وسلامته والخروج به من محنته المستعصية التي أعجزت كل الحكومات الديمقراطية والديكتاتورية التي تعاقبت على سدة الحكم منذ الاستقلال عام ستة وخمسين من القرن الماضي، وأعيت حيلة كل المفكرين والمنظرين الذين خرجوا من رحم هذا الوطن وأخلصوا النصح وفدوه بكل غال وثمين ولبوا نداءه خفافا وثقالاً رغبة والتزاماً .

وغاية التكليف أن تبلغ بالنفس عزرها من البذل والإخلاص ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، إلي هؤلاء أوجه هذه الدعوة الخالصة التي لا أريد بها إلا وجه الله ولا أنفذ فيها إلا مشيئته فإن هذه الدعوة هي امتحان للصادقين عن صدقهم ولتمييز الذين يعبدون الله على حرف فيتذيل الفريقان. 

إن الطبقة المثقفة من هذا الجيل أدركت بوعي تام أن مشاكل السودان الحالية استعصي حلها. لأن أسباب فتنتها بذرة مهجنة زرعها الاستعمار في جسم هذا الوطن تحت شعار الجنوب المسيحي لإزكاء حرب دينية بين الإسلام والمسيحية ليتيح للعالم الغربي التدخل في شئون السودان الداخلية تحت مظلة الصليب لتتحول إلي حرب ضد الإسلام.

مع ملاحظة أن هنالك بذرة مماثلة وغرسة خبيثة زرعها النصارى وهي الصهيونية اليهودية في القدس لمحاربة الإسلام باليهودية وليتحول الصراع حول الأرض في فلسطين إلي حرب عقائدية، بمحاولة اليهود هدم المسجد الأقصى وبناء هيكل سليمان ليحل به المهدي المنتظر اليهودى وهوالدجال عند المسلمين.

فهل أيقظ شعار اليهود هذا غفوة المسلمين بتذكر المهدي المنتظر الذي ورد في السنة ليفطنوا إلي أن الحرب المعلنة اليوم من قبل اليهود والنصارى على حد سواء هي تهيئة له ليحكم الأرض المقدسة.

فقد راهن كل من اليهود والنصارى وصرحوا على مسامع الملأ أن المسيح هو القائد المرتقب لمعركة الصراع الحالي حول القدس وإليه تؤول السيطرة على القدس والأراضي المقدسة وكلٌ يدعيه لنفسه، ووضعوا حساباتهم للمعركة الحالية على هذا الأساس. ولن تخمد نار الحرب حول القدس إلا بعودة المسيح ليحسم الحرب وتضع عند ذلك الحرب أوزارها. وهذا الفهم يتطابق تماماً مع عقيدة الإسلام، إلا أن المسيح يخرج من صلب هذه الأمة لا من اليهود ولا من النصارى. ويبرز من صفوف جيوش المسلمين إماماً مهدياً ليحسم صراع الأديان لصالح الإسلام. وقد ورد ذكر بعثة المسيح المهدى في القرآن في الآية (33) من سورة براءة في قوله تعالي: “هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ” وقد تكررت في سورتى الفتح والصف. وقد ورد في تفسير سعيد بن جبير لهذه الآية قال: (هو المهدي من ولد فاطمة يكون آخر الزمان). وقال جمهور العلماء: (هو عيسي ابن مريم). والحاصل أن الجمع بين التفسيرين هو الأصح لأن المهدي الذي من ولد فاطمة هو ذات عيسي ابن مريم في ميلاده الثاني في هذه الأمة. وهذا واضح في تفسير القرآن والأحاديث الوارد ذكرها في نشرة المنقذ من الفتن ومدمر دولة إسرائيل المرفقة مع هذا الخطاب.

فقوله تعالي: “ أَرْسَلَ رَسُولَهُ” عيسـى ابن مريـم رسـول بنـي إسـرائيل “ بالهدي “ مهدياً لا نبياً ولا رسولاً “ دِينِ الْحَقِّ “ الإسلام “ِليُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ” دين الإسلام لم يظهر على اليهودية والنصرانية حتى وفاة الرسول صلي الله عليه وسلـم لقولـه تعالى: “ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ” البقرة الآية   145.

وورد في السنة أن هناك مهدى يحاصره الدجال واليهود، فهو الآخر لا يظهر الإسلام على يديه على دين اليهود والنصارى. أما عيسي ابن مريم فهو الذي يقاتل اليهود ويقتل الدجال حتى يقول الحجر والشجر يا مسلم هذا يهودي من خلفي فاقتله. فعلي يد عيسي ابن مريم يظهر الإسلام على الدين كله كما نص عليه قوله تعالـى: “ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ" النساء الآية 159. وقوله تعالى: “وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ “ آل عمران الآية 55.

ويؤكد هذا قوله عليه الصلاة والسلام: “ والذي بعثني بالحق أن منهما – الحسن والحسين – مهدي هذه الأمة إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً وتقطعت السبل وأغار بعضهم على بعض فلا كبير يرحم صغيراً ولا صغير يوقر كبيراً” وهذا هو واقع الحـال اليـوم “عند ذلك يبعث الله منهما – الحسن والحسين – من يهدي الله به قوماً ضلالاً وقلوباً غلفاً يقوم بالدين آخر الزمان كما قمـت به أول الزمان “ أخرجه الطبراني .ابن كثير المجلد الأول. وذكر القرآن أن أصحاب القلوب الغلف هم اليهود يقول تعالي: “ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ “ البقرة الآية 88. “وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ” النساء الآية 155.

والذي يقوم بالدين آخر الزمان هو عيسي ابن مريم على لسان الرسول صلي الله عليه وسلم: “ كيف تهلك أمة أنـا أولها وعيسى ابن مريم آخرها “ رواه الحاكم. كما في كنز العمال وصححه السيوطى وحسنه ابن حجر في فتح الباري. فتأكد لنا من شرح القرآن للحديث السابق وشرح السنة له أن المهدى الذي من ولد فاطمة هو عيسي ابن مريم بشهادة الله ورسوله. وعليه فإن باب الاجتهاد في هذا المجال أغلق تماماً أمام المجتهدين. ولا يكون عيسي ابن مريم من ذرية الحسن والحسين إلا أن يولد مرة ثانية في هذه الأمة. وهذا مهد  له بقاءه روحاً بدليل قوله تعالي: “بَلْ رَفَعـَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ” النساء الآية 158. وقوله تعــالي: “ مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ “ آل عمران الآية 55. فالقرآن صريح في أن عيسي رفع إلي الله وليس إلي السماء.

فعيسى روح من الله، نزل روحاً منه ورفع روحاً إليه. فالرفع إلي الله لا يناسبه الجسد ويناسبه الروح يقول تعالى: “ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي “ الإسراء الآية 85. “ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُون” الاعراف الاية 29. فالروح تلائم العودة في الأرحام في بطن امرأة من أطهر النساء نفساً وأشرفهن نسباً وأزكاهن طينة، لتناسب نشأة الروح الأولى كما قال صلي الله عليه وسلم: “ ينزل عيسي ابن مريم على ثمانمائة رجل وأربعمائة امرأة أخيار من على الأرض وصلحاء من مضي “ أخرجه الديلمي في كنز العمال ج7/203 فاخيار من على الأرض هم ذرية النبي صلى الله عليه وسلم المطهرة بقوله تعالي: “ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا”) الأحزاب الآية 33 .لتكون الأم الثانية مثل مريم التي قال عنها تعالى: “ وإذ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ “ آل عمران الآية 42.

فنشأة عيسي ابن مريم الأولى روحاً في الأرحام وأن النشأة الثانية كذلك وهي سنة الله تعالي لا تبديل لها ولا تحويل يقول تعالي: “ أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ “ وهو خلق عيسي بالنزول في الأرحام في بني إسرائيل. “ بلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ “ ق الآية 15. الذي يكون في هذه الأمة في بطن امرأة من آل محمد صلي الله عليه وسلم، ولهذا يشير قوله تعالي للرسول صلي الله عليه وسلم: “وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ “ البلد الآية 2-3.

أي أن الرسول صلي الله عليه وسلم  (وَالِد) وفي نفس الوقت (مَا وَلَدَ) وهي إشارة صريحة لميلاد عيسى ابن مريم في النشأة الثانية. فهو (وَلَدَ) النبي عليه الصلاة والسلام في حين أنه (لم يلد) عيسى، لأن عيسي ابن مريم لا صلة رحمية له مع أحد من البشر - لا ذكر ولا أنثي- لأن طينته ليست من طينة أمه لا في إسرائيل ولا في هذه الأمة. وقد حسم الله تعالي الجدل في هذا في قوله تعالي: “ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ “ آل عمران الآية 59-60.

وورد في بعض الآثار أن المهدى في آخر الزمان يحمل خاتم النبوة وليس هنالك مهدياً يحمل ختم النبوة غير عيسى ابن مريم. وهذا ما تؤكده الآية 33 من سورة براءة.

أكتفي بهذا الإيجاز وأترك التفصيل في نشرة (المنقذ من الفتن ومدمر دولة إسرائيل) المرفقة.

 “ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ “ آل عمران الآية 138.

     وفي نشرة المنقذ ومدمر دولة إسرائيل تجدون بياناً كافياً يحدد بدقة كيفية عودة المسيح آخر الزمان وتحديد مكان النزول ووقت العودة وكل ذلك مبين بآيات القرآن الكريم المفصلة والأحاديث الصحيحة فالعقيدة محروسة بالكتاب والسنة ولا تترك هملاً لعبث أهواء المنحرفين (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا “ الكهف الآية104 . قال تعالى: “أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) الشورى الآية 21 . والله تعالي يقول لنبيه الكريم: “ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ” الجاثية الآية 18 . يقول تعالي: “ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ “ المؤمنين الآية 71. فإن القرآن نزل جامعاً لكل ما يطرأ على البشرية من فجر الوجود إلي ما بعد الحساب يقول تعالي: “ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ” يوسف الآية 111.

فإن الآيات لم تكن مرهونة بحادثة أسباب النزول بل تتعداها إلي أمثالها لتشمل تفصيل كل شيء. فقد نزل القرآن مثانياً فتتعدد معاني الآية الواحدة من القرآن لتشمل أكثر من حادثة في زمان آخر متشابه وهو المشار إليه بقوله تعالـي “ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ “ آل عمران الآية 7.

وذكر ابن كثير في المتشابه من أقوال المفسرين فقال: (تحتمل دلالتها موافقة المحكم وقد تحتمل شيئاً آخر من حيث اللفظ والتركيب) وقال: (لا يعارض بعضها بعضاً).   

فأقول: إن هذا يدل على أن القرآن المفصل يشرح المجمل منه.  أي أن القرآن يشرح بعضه بعضاً، فإذا فهم شخص ما معنى خاطئاً لآية فيه فإذا تلى القرآن بتدبر فإنه يجد آية أخرى تعارض ذلك الفهم وذلك ما يبينه قولـه تعالـي: “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا “النساءالآية82 .

إن الصراع الحالي في الشام حول القدس تقوده جبهة موحدة من اليهود تحت قيادة رئيس دولة في حين يتواري ملوك ورؤساء وأمراء العالم الإسلامي خلف الجماهير، فتصدى الأطفال والشباب للدفاع والذود عن حمى الإسلام والديار التي أخرجوا منها بغير حق. مما يؤكد بجلاء تام حاجة الأمة لقيادة تقودها وقت الانتفاضة الحالية انتفاضة الأقصى. لذلك فإن قائد الأمة في هذا الظرف العصيب شخص واحد لا غير. تحدد بالقرآن والسنة بطريقة دقيقة لا يمكن الاشتباه في معرفته طبقاً لما ورد في القرآن الكريـم يقول تعالـى: “ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُم” البقرة الآية146.

وإذا أراد المسلمون النصر على اليهود وحسمهم إلي الأبد فلابد لهم من اتباعه ومبايعته فالقيادات الحالية لا طاقة لها بهذا الصراع الذي تقوده أمريكا ضد الإسلام. وهم معذورون في مواقفهم فغاية ما يستطيعون فعله هو وقوفهم مع الانتفاضة بالبيانات الكلامية وحتى المعونات والمساعدات المالية والغذائية التي تبرعوا بها لا تصل إلي المناضلين والعجزة والشيوخ إلا تحت رحمة اليهود.

فالحرب التي يخوضها الشعب الفلسطيني والمسلمون من خلفهم لا تحقق نصراً لأنه تنقصهم البيعة لإمام الوقت المعاصر الذى به يتم توحيد صف المسلمين. فقد روى مسلم عن رسول صلى الله عليه وسلم قوله: “ إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به “ وروى مسلم أيضاً عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: “ ومن مات ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية “ .

ولما كانت كل الشواهد من القرآن والسنة تؤكد أنى خليفة الله اليوم في الأرض. تعين على كل مسلم ومسلمة مبايعتي وإتباعي، وأن مخالفتي وتكذيبي كفر صريح بنص  قوله تعالي: “ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ “ آل عمران الآية55. بعد أن أكدت النصوص من القرآن والسنة بأني أنا المسيح عيسي ابن مريم حقيقةً روحاً وجسداً.

وقد عجز العلماء طوال فترة العشرين عاماً الماضية الإتيان بأي دليل من القرآن والسنة يكذبون به دعوتي، فاصبح لزاماً عليهم إتباعي ومبايعتي امتثالاً لقوله تعالي: ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا “ النساء الآية 65. ولقد لخص الرسول صلي الله عليه وسلم في جوامع كلمه شمائل القرآن الكريم في الحديث الذي رواه عنه علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: “ ألا إنها ستكون فتنة.فقلت: وما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم. هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله تعالى، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق من كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن حتى قالوا: إنا سمعنا قرآناً عجبا يهدى إلى الرشد فآمنا به. من قال به صدق. ومن عمل به رشد. ومن حكم به عدل. ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم “ مسند الإمام احمد وسنن الترمذى.

وقد سلمت صورة من الخطاب مرفقاً معه نسخة من نشرة (المنقذ من الفتن ومدمر دولة إسرائيل) في شهر مايو من عام 2001 م .إلى كل من المذكورين أدناه:

1.    السيد الرئيس الفريق / عمر حسن احمد البشير.

2.    الأمانة العامة لمجلس الوزراء.

3.    وزارة الشئون الدينية والأوقاف.

4.    مستشاريه التأصيل – مجمع الفقه الإسلامي.

5.    هيئة علماء السودان.

6.    مفتي جمهورية السودان.

7.    المجلس الأعلى للذكر والذاكرين.

8.    جامعة أم درمان الإسلامية.

9.    جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية .

10.     جامعة أفريقيا العالمية.

11.     لجنة الشئون الدينية بالمجلس الوطني.

12.     الهيئة القضائية.

13.     وزارة الثقافة والإعلام.

14.     الهيئة القومية للإذاعة السودانية.

15.     الهيئة القومية لتلفزيون السودان.

16.     مسجل الهيئات والتنظيمات السياسية.

17.     لجنة مسجد النيلين.

18.     لجنة مسجد جامع الخرطوم الكبير.

19.     لجنة مسجد جامع الخرطوم بحرى الكبير.

20.     لجنة مسجد الشهيد بالمقرن.

21.     الطرق الصوفية.

22.     جماعة أنصار السنة.

23.      الاتحاد العام لنقابات عمال السودان.

24.     اتحاد المزارعين السوداني.

25.     الاتحاد العام لنساء السودان.

26.     حزب المؤتمر الوطني.

27.     حزب المؤتمر الشعبي.(لم نتمكن من تسليمه لأنه كان محظوراً)

28.     حزب الأمة.

29.     هيئة شئون الأنصار

30.     الحزب الاتحادي الديمقراطي.

31.     الأخوان المسلمين.

32.     صحيفة الشارع السياسي.

33.     صحيفة الوفاق.

34.     صحيفة ألوان.

35.     صحيفة الصحافي الدولي

36.     صحيفة الصحافة.

37.     صحيفة الحوار.

38.     د. عبد الحي يوسف – جامعة الخرطوم .

39.     د. حسن مكي – جامعة أفريقيا العالمية.

40.     د. أحمد على الأمام – مستشار رئيس الجمهورية لشئون التأصيل والفقه الإسلامي.

41.     الأستاذ : جلال الدين مراد. عضو المجلس الوطني(الكاملين).

المسيح المهدي المحمدي / سليمان أبو القاسم موسى

8 مايو 2001 م

 

(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ) صدق الله العظيم سورة البقرة الآية 159 .

 

المقدمة

     قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها). رواه ابو داؤود وأخرجه الطبرى وسنده صحيح وراوته ثقاة وصححه الحاكم واعتمده كل الأئمة. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمرا أو يثنينها، ولا ينـزع بشـرع مبتدئاً فينسـخ به شريعتنا، بل ينزل مجدداً لما درس منها متبعها). رواه مسلم. تفسير القرطبي ج 4 ص 100.

وجدت نفسي أعيش وسط أمة حادت عن جادة الطريق، وجارت عن قصد السبيل، فإنجرف الناس في طريق الضلالة ويحسبون أنهم مهتدون. وقد جعلني الله خليفة له في الأرض خلفاً للنبي الكريم  بهدي القرآن، وسنتـه صلى الله عليه وسلم إماماً مهدياً مجدداً لهذا الدين في القرن الخامس عشر الهجري. فحدثت الناس بذلك  فأستيقظ ماردهم عند ذلك وزين لهم طريق الباطل لمحاربة الحق الأبلج الناصع، فلم تستوعب وسائل إدراكهم قولي وتقاصرت فهومهم عن إدراك غايته، وبعد عن مدى أسماعهم ومرمى أبصارهم وعلا فوق سقف عقولهم، وصرت غريباً وسط أناس هم أهلي، لاجئاً في وطني واستوحشت وسط عشيرتي. فنبذني القريب وعاداني الحبيب. وكان عزائي الوحيد هو أن هذا الحال أكد لي حقيقة أني جئت إلى هؤلاء غريباً من عالم بعيد ومن أمة قد خلت من قبل، وقد خلت تعاليم الإسلام من قلوب هؤلاء واصبح الإسلام غريباً على المسلمين!! فصرت غريباً بغربته. ولأنهم بعدوا عن محجة الإسلام لسلوكهم غير الطريق الحق، بتحفيز وإغواء الشيطان، واغراء زهرة الحياة الدنيا لشهوات النفس عندها ضعف الإيمان. فكانت الدنيا هي مبلغ علمهم ومحط أنظارهم وغاية آمالهم. فمنحوها خالص حبهم وتعلقت بها قلوبهم.

وظن الملوك والرؤساء إنما جئت لاسلبهم سلطانهم، وحسب المشايخ أني سوف اسحب البساط من تحتهم، فتذهب عنهم هيبة التقديس والإجلال واستيقن العلماء والفقهاء أن مجيئي آذان بتجديد الدين، وان منهجهم في التربية والإرشاد الذي بنوا عليه صرح مجدهم سيصبح دكا كما حل بأصنام قريش صبيحة الفتح. ورأى وجهاء القوم إن الموازين الإجماعية ستقلب رأساً على عقب فأغروا بي ضعفائهم وسلطوا على سفهاءهم، وألبوا ضدي من لا أخلاق لهم  فعادني الجميع، على الرغم من مخاطبتي لهم باسلوب تسامح ولين. وكنت أقول لهم أني اعذر من عاداني وأغلظ عليَّ، لأن دافعه في ذلك حرصه على الدين وحميه الإسلام فأنا لست في عداء شخصي مع أحد. وكنت أقول: إن الأمر لا يحتاج إلى عداء أو بغضاء،  فإن كنتم ترون أني على باطل فأروني طريق الحق حتى اتبعه، علماً بأن الرسول صلى الله عليه وسلم  بجلال قدره لم يعلم حقيقة عيسى ابن مريم إلا من خلال القرآن. فالقران وسنة النبي الهادي هما المرجعان لمعرفة عيسى ابن مريم ومتى وأين وكيف ينزل أو يجيء .يقول الله تعــالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) الإسراء الآية 9. وأكد علي مرجعية سنة النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالي: ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) الشورى الآية 52. فلولا القرآن والسنة  لكان اليهود والنصارى أولي بمعرفة عيسي فلا تجادلوا إلا علي هدي القران والسنة إن كنتم طلاب حق.  وإذا كان الحق عز وجل يرشدنا إلى أسلوب المخاطبة ويقول: ( وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) العنكبوت الآية 46. فنحن أولي بهذا عندما نتفاكر في أمور ديننا. وما العداء الذي أواجه به إلا نتاج طبيعي لهذه المرحلة من الدعوة تقضيه ظروف التجديد والتي تعني مخالفه المألوف والسير عكس عجلة المجتمع، فينشأ صراع المصالح. وكم من مصلح فقد حياته في مثل هذا الصراع. ولو سبح المجدد مع التيار, لما أتي بجديد ولما استحق لقب المجدد .

 

الفصل الأول

الإســلام والأديــان

قضت حكمة الله أن يجعل الإنسان خليفة له في الكون على سائر مخلوقاته, قبل أن يوجده. قال تعالى: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) البقرة الآية 30. وقال تعالى: (فَإِذَا سَوَّيْتُـهُ وَنَفَخْتُ فِيـهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) الحجر الآية 29. والسجود هنا سجود طاعة لا عبادة. إذ الخليفة يطاع ويعبد الله وحده. قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) النساء الآية 64. وقال: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الذاريات الآية56. فأمر الملائكة وإبليس أن يطيعوا خليفة الله في الأرض في كل زمان. ويعبدوا الله  وحده  لا شريك له. والخليفة وسيط بين الخالق والخلق تتنزل التعاليم الإلهية إليهم بواسطته. ويتم اختيار هذه الخليفة واصطفاءه من عند الله, لا بتسلطه أو استئناس الكفاءة في نفسه فيفرض نفسه على الناس بالادعاء. فالله أعلم حيث يجعل رسالته. وقد رد الله تعالى على الذين يزدرون بشخصية محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: (وْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) الزخـرف الاية31. رد قائـلا: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ)الزخرف الاية 32. فقد أنزل الله شرائعه من خلال الأنبياء وأمرهم بالتقيد بها ليضربوا المثل الأعلى والقدوة الحسنة لسلوك سبيل الرشاد. فمن اللحظة الأولى التي دخل فيها آدم وحواء الجنة وضع لهما التشريع بأن يأكلا من ثمرها ما شاءا إلا شجرة واحدة حرم عليهما الأكل منها. ولمـا أخلا بالتشـريع عوقبـا بالطرد من الجنة, عقاباً لهما على عدم الالتزام بأمر الله. وتتابع الرسل بالتنزيل قال تعالـى: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا) المؤمنون الآية 44. وتواصل المبعوثون إلي أن ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم. وبما أن العالم بعد طوفان نوح عليه السلام, عاد ليبدأ من أسرة واحدة هي أسرة نوح لقوله تعــالى: (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ) الصافات الآية75-77. ومن ذرية نوح عليه السلام وصلت تعاليم السماء كل أجناس البشرية بلا استثناء , وتواترت من الأجداد والأباء إلى الأبناء والأحفاد. يقول تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ) يونس الآية47. فكان كل رسول يبعث لتجديد الدين عندما يخلف من سبق من المرسلين خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ليعيد الناس إلى جادة الطريق, على نهج من  سبقه من المرسلين مع إضافة بصماته الخاصة بشرعه المنزل بما تقتضيه مستجدات التحديث ليواكب تطور البشرية ورقيها. يقول الله تعالى للمسلمين: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) النساء الآية26. أكد لهـم الترابط بين الأديان فقال عن القرآن: ( وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ ) الشعراء الآية196.

إن شريعة القرآن هي التشريع الجامع لأهل كل الكتب السماوية فقال تعالى: ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ) الشورىالاية13. وان سكان الأرض جميعاً أمة واحدة قال تعالى: ( هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ) الأنبياء الآية 96. وقال: ( إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) البقرة الآية 62. وقال: ( إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) الحج الآية 17. فالمجوس والمشركون والصابئة  كل هؤلاء كانوا أصحاب أديان سماوية انبتت عن مددها السماوي الروحي، فعبدوا المخلوقات ومظاهر الوجود المادي بعدما رفضوا تجديد الدين على يد المرسليـن قال تعالـى: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا ) المائدة الآية 104. فلم يتبعوا هذا الدين الجديد وفي ذات الوقت تاهوا عن معالم الدين السابق يقول تعالى: ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ) مريم الآية 59. وآخر هذا الخلق أمة يأجوج ومأجوج التي اتخذت الديمقراطية دينا لها بدلا عن الأديان السماوية المعترف بها. وهى الإسلام والنصرانية واليهودية. وهى تقوم الآن بدحر هذه الأديان وإبعادها عن حياة الناس، لعدم صلاحيتها بزعم عدم مواكبتها للتطور. أي أنهم وصفوا أنفسهم بأنهم اكثر عدالة من الله. وان تطبيق العقوبات الدينية والقصـاص يتنافى مع حقوق الإنسان التي زعموا أنفسهم رسلاً جدداً لها. مع أن الواقع يشهد بكذبهم فهم الذين تنكروا للديمقراطية عندما فاز حزب الرفاه الإسلامي في تركيا بطريقـة ديمقراطيـة، ورجعـوا إلى حكم الفرد- مصطفى اتاتورك- الذي قضى نحبه لعشرات السنين. فهم يدافعون عن حق الميت الفرد، ضد مصلحة الجماعة الأحياء. وتنكروا للديمقراطية عندما فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر. وأيدوا عليها الحكم الديكتاتوري. وتنكروا لحرية الفرد عند ما ارتدت نائبة برلمـانية تركية زي الحشمة، علماً بأن زي الحشمة لم يكن قاصرا على الإسلام، بل هو زي اليهودية والنصرانية الذين يدعون حرية الفرد، وهم الذين يشرعون الظلم قانوناً يعمل ضد مذهب الأغلبية الديمقراطية الذي يؤمنون به، بسن قانون حق الرفض (الفيتو) بأن يغلب صوت الفرد أصوات الرهط، ليسود الظلم بدل العدل، وحتى لا يعاقب الظالم أو حتى يقـال للظالم أنت ظالم، ويكون هذا هو قمة تشريع الحكومة العالمية والتي تمثل قمة العدل في الأرض اليوم !

إن الهم الأكبر لهذه الأمة هو القضاء على الإسلام الذي ما زالت به بقية يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. ومتى ما ذهبت هذه البقية يؤول الأمر إلى الديمقراطية (دين يأجوج ومأجوج) الذين لا يعرفون معروفاً ولا ينكـرون منكراً، يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة وسيكون ذلك بعد حين أما الآن  فإن للإسلام وقفه في وجه الظالم  وقوله حق عند هذا الإمام الجائر (الديمقراطية) ولتعلمن نبأه بعد حين، لقد تبرجت الديمقراطية عن مساوئها في مؤتمر التنمية والسكان بالقاهرة عام 1993م، فتبرأت عن الأديان. واعترف اليهود والنصارى بتحريف التوراة والإنجيل. بعد أن برأت الكنيسة اليهود من دم المسيح وقبول اليهود ذلك.

فقد آن للنصارى أن ينزلوا الصليب من قمم الكنائس ونزعه من الصدور والأعناق والإعتراف بأن الإسلام وحدة هو الدين الحق، الذي لم يلحقه تحريف. فقـد كانت دعـوة اليهــود والنصـارى: ( وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) النساء الآيات 156-158. فقد كانوا ينكرون ذلك، والآن حصحص الحق، فعليهم بالدخول في دين الإسلام لأنه الدين الحق ( فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ) البقرة الآية 275. فالشـرائـع الإسلامية اليوم، هي شريعة المسلمين واليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين على حد سواء والإدعاء بعدم تطبيق شريعة الإسلام على الأقليات غير المسلمة فيه هضم لحقوق تلك الأقليات يتجافى مع الحقيقة، لأنه لا تخلو منطقة أو قبيلة من مله دينية مهما كان تخلفها. وكما أسلفنا فإن أصل الديانات الوثنية كان سماوياً تحول بالتحريف إلى وثنية فعليه يكون تشريع الإسلام هو الأصلح لهذه الأقليات من دين الديمقراطية الذي هدفه القضاء على تلك الأديان وأي سمات خلق كريم ونبيل. فإن الوثنية لا تخلو من قيم ومثل إنسانية راقية، وإن الديمقراطية إباحية حيوانية تحط من قيمة الإنسان وبشريته التي فضله الله بها على سائر مخلوقاته.

 

الفصل الثاني

الحرب الأهلية السودانية ومدلولها من السنة

إن الحرب الأهلية السودانية والتي عمت البلاد بطولها وعرضها، بعد أن كانت قاصرة على الجنوب، يرجع تاريخ غرسها إلى بذرة خبيثة زرعها المستعمر المدمر، تركة له في السودان، لتكون داء عضال  ينخر في جيل التحرير الناشئ حديثاً ويوقف نموه ويشل حركته ويشتت أفكاره، فتترعرع عند ذلك الأحقاد وتنمو البغضاء، وتطيش بالناس الأهواء حتى أوصلت صناع السياسة  في هذا البلد إلى التيه السياسي، والحيرة الفكرية وعماء البصيرة وغشاوة البصر فاحتاروا وحيروا معهم هذا الشعب العملاق، الذي اختاره الله ليخرج الإنسانية جمعاء من احلك ظلمة دهماء تلم بها منذ أن خلق الله آدم وحط في الأرض الرحال يقتحم الأهوال ويشق الصعاب حتى يضع الأمة على هدى الطريق وبر الآمان. هذه الأمة تتعالى صيحاتها الآن  وتنادي. من ينقذ الناس من الإنقاذ؟

هذا النداء طالعته في الصحف العام المنصرم وتكرر هذا العام، فحق لي أن أجيب لأنني أعلم يقيناً أن لا مجيب غيري. علماً باني نبهت الشعب السوداني منذ فجر الإنقاذ حين قلت وقتئذ: إن حكومة الإنقاذ سوف تصل بالمسلمين إلى مرحلة معينة تتوقف عندها ولا يتسنى لها تجاوزها. وقد تحقق ذلك الآن. فقد وصلت الإنقاذ إلى طريق مسدود لأنها لم تختر المنقذ لقيادتها. فمن هو المنقذ؟

يقول الله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) النساء الآية 83. هذه الآية حددت بجلاء ولى أمر المسلمين في حالة غياب الرسول صلى الله عليه وسلم وعينته بصفاته وهي استنباط الحكم الشرعي عندما يلجأ إليه الناس في حالتي السلم (الأمن) والحرب (الخوف)، وهو ولي أمرهم عند ما يحيط بهم الأعداء وتتجاذبهم الأهواء وهو واقعنا اليوم، بل والأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، والسنة المطهرة شارحة للقرآن  فهي وحدها التي تحدد لنا وليس أفكارنا وأهواؤنا ولي أمر هذه الأمة في محنتها الراهنة. و فيما يلي طائفة منها:

(1) عن على الهلالي قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: (والذي بعثني بالحق إن منهما، يعني (الحسن والحسين) مهدي هذه الأمة، إذا صارت الدنيا هرجاً مرجاً، وتظاهرت الفتن، فلا كبير يرحم صغيراً، ولا صغير يوقر كبيراً، فيبعث الله عز وجل عند ذلك منهما من يفتح حصون الضلالة وقلوباً غلفاً، يقوم بالدين آخر الزمان كما قمت به أول الزمان، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جوراً) أخرجه الطبراني، المصدر البرهان في علامات مهدي آخر الزمان.

يلاحظ من الحديث:

أ/ الترابط الوثيق بين قول الله تعالى في الآية (83) من سورة النساء  (...وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ ) وبين عبارة الحديث  (يقوم بالدين آخر الزمان كما قمت به أول الزمان) يوحي بأن هذا الشخص هو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ب/ الحديث تصوير دقيق لحالة السودانيين الأمنية اليوم فقد تقطعت بهم السبل وأغار بعضهم على بعض بالحروبات في الجنوب والشرق، والنهب المسلح في الوسط وبالحروبات القبلية في الغرب. وتفرق الكلمة في الشمال وانشقاقات الأحزاب من داخلها، وبما أثاره الكتاب الأسود من فتنه.

ج/ حدد الحديث، إن المخرج يكون على يد رجل من ذرية (الحسن أو الحسين) أو كليهما، وهو الذي يرسي العدل عند تظاهر الفتن.

(2) عن على بن أبى طالب رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أمنا آلـ محمد المهدي أم من غيرنا؟. فقال صلى الله عليه وسلـم: (لا بل منا يختم الله به الدين كما افتتح بنا، وبنا ينقذون من الفتنة كما أْنقذوا من الشرك) أخرجه أبو نعيم. قال بعض أهل العلم هذا حديث حسن عال، رواه الحفاظ في كتبهم .

في هذا الحديث يربط الرسول صلى الله عليه وسلم بينه وبين ولي الأمر في آية سورة النساء (83). وهذا الرجل وصف بأنه المنقذ، وهو الحلقة المفقودة التي شلت حكومة الإنقاذ عن الحركة، ولن تحقق حكومة الإنقاذ برامجها الطموحة في إقامة الشريعة والخروج بالتجديد الإسلامي من قطريته في السودان إلى عالميته إلا بقيادة هذا الرجل.

(3) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انه لم تكن  فتنه في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم اعظم من فتنه الدجال) انظر بقيه الحديث وسنده في الفقرة (32) والحديث عن الفتن العظام ينبه الناس بقدوم الدجال.

(4) عن على ابن أبى طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو لم يبق من الدهر إلا يوم، لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلا كما ملئت جوراً) أخرجه ابوداوود. والحديث عن آخر يوم في الدنيا يذكرنا بعيسى، الذي هو علامة من علامـات الساعة. فهل ملئت الدنيا جوراً؟

إن في ظل النظام العالمي الجديد والعولمة أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية هي التي يخضع العالم إلى مشيئتها وإرادتها. فإما أن تكون ملأته عدلاً فتتبع أو جوراً فتدفع.

(5) عن سعد ابن ابي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة) رواه مسلم. ولا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى ابن مريم آخر هذه الأمة، مما يعني أن أهل الغرب هم الذين يدفعون الراية لعيسى ابن مريم. وكم نطق بذلك كثير من حكام السودان وهم لا يشعرون! .

(6) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كيف تهلك أمة أنا أولهـا وعيسى ابن مريم آخرها) رواه الحاكم كما في كنز العمال. وصححه السيوطي في الدر المنثور. وحسنه ابن حجر في فتح الباري.

 ويؤكد القرآن معنى الحديث أن عيسى ابن مريم آخر هذه الأمة. وذلك في قوله تعالى: ( وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) آل عمران الآية 55 .ويخطئ القرآنيون في فهم هذه الآية باعتبار اتباع عيسى بالإنجيل. وهذا خطأ  لأن اتباعه بالإنجيل انقطع ببعثه النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن وإلا لما نسخ الإنجيل بالقرآن. ويشهد على ذلك قوله تعالى: ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) الأعراف 157. ويلاحظ الفرق بين الآية 55 من آل عمران وبين الآية 212من سورة البقرة يقـول تعالــى: ( زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) البقرة الآية 212. فإضافة (إِلَى) في آية آل عمران تفيد الاستمرارية دونما انقطاع فلو حدث ذلك الاتباع بالإنجيل لكان ناسخاً للقرآن، وهذا ينافي ما هو معلوم من الدين بالضرورة واتباع عيسى ابن مريم إلى يوم القيامة هم المؤمنون من هذه الأمة الذين ألحقهم القرآن بحوارييه في بعثته بالإنجيل في قوله تعالى: (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا) المائدة الآية 114. فلن تنزل على عيسى ابن مريم مائدة أخرى عند عودته كما يطالبني من لا علم له، فنزول المائدة لن يتكرر بل يظهر في هيئة بـركة الطعام في زمان مجيئه الثاني، قال صلى الله عليه وسلم: (ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه ... ثم يقال للأرض أنبتـي ثمرتك وردي بركتك ..) كما في حديث النواس رواية مسلم. وذكرهم الرسول صلى الله عليه وسلم صراحة فـي قولــه: ( والذي بعثني بالحق نبياً ليجدن المسيح عيسى ابن مريم في أمتي خلفاً من حواريه) أورده السيوطي في الدر المنثور ج3 ص 41. وهم آخر الحواريين في آية المائدة وفيه تأكيد على عودة المسيح. والشواهد من القرآن والسنة كثيرة وليست مجال جدال.

المهم هنا هو إن أهل الغرب هم سكان (كردفان ودارفور) كما هو معلوم عند أهل السودان. والسودان غرب الجزيرة العربية موقع صدور الحديث مما يعنى أن المسيح من (كردفان). وهناك وشواهد أخرى من السنة تؤكد أن المسيح عيسى ابن مريم من السودان سنتعرض لها في حينها.

 

الفصل الثالث

الميـلاد الثـاني للمســيح

     هذا العنوان يثير الدهشة والاستغراب لدى الناس لمخالفته لاعتقادهم في عودة المسيح من السماء بشراً سوياً. فلنقف هنيهة عند هذا الإعتقاد لمعرفة الأسس التي انبنى عليها!

 وفي مراجعتى لنصوص القرآن والسنة وكتاب (نزول عيسى آخر الزمان) لجلال الدين السيوطي، وكتاب (التصريح بما تواتر في نزول المسيح) الذي يرد فيه محمد انور شاه الكشميري على احمد غلام شاه القادياني الذي ادعى بأنه المسيح، ورتب الكتاب محمد شفيع مفتي باكستان سابقاً الذي حققه عبد الفتاح أبو غدة وأضاف اليه ملحقاً جمع فيه أحاديثاً وآثارأً تفوق المائة في مجملها. وحتى العلماء الذين جادلوني لم أعثر منهم على نص واضح من القرآن أو السنة يقول أن عيسى ابن مريم سينزل من السماء بشراً كاملاً. والدليل الوحيد الذي يعتمد عليه هؤلاء هو اعتقادهم أن أول نزول لعيسى من السماء هو نزوله في جماعة المسلمين المحاصرين في المنارة البيضاء بين إقامة الصلاة وتكبيرة المهدي للإحرام بالصلاة فيقدمه  المهدي للصلاة لكنه يعتذر بحجة أن الصلاة أقيمت للمهدي خصيصاً.

ولا خلاف لي مع الناس في أن عيسى ينزل في المنارة البيضاء بشراً سوياً ولكن خلافي معهم هو أن هذا النزول ليس هو الأول، بل يسبقه النزول الروحي.

 ولنناقش هذين الإعتقادين بمنطق العقل والدين لمعرفة أيهما اصح عقيدة:

1.    اعتقاد النزول من السماء بشراً كاملاً:

لو نزل عيسى ابن مريم من السماء بشراً كاملاً إلى الأرض، لوجدنا أنفسنا في مواجهة الحقائق التالية وجهاً لوجه:

(أ) أن ينزل عيسى ابن مريم بلسانه الذي رفع به وبكتابه (الإنجيل) ولبعث رسولاً وصلى بالناس بالإنجيل وهذا ينافي الدين الإسلامي.

(ب) لسان عيسى الذي كان يتكلم به اندثرت لغته الآن من على وجه الأرض وكذلك لغة الإنجيل. فكيف يؤم شخص أناس لا يعرف لغتهم وهم لا يعرفون لغته؟.. وهذا ينافي صريح القرآن في قوله تعالـى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) إبراهيم الآية 4. ويقول تعالي: (وَلَوْ جَعَلْنَـاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ)  فصلت الآية 44. وإذا صلي بالإنجيل يكون قد نسخ القران وهذا ما لم يقل  به أحد.

أما من قال أنه يؤم اناساً بالقرآن فإننا سوف نجد أنفسنا أمام الإشكال الأتي:

     لم نسمع أن أحداً من علماء المسلمين وفقهاء السنة عرج إلى السماء, أو حتى مع سفن الفضاء مع من يعتقد بوجود حياة في الكواكب الأخرى  ليعلم عيسي ابن مريم اللغة العربية ومن ثم القرآن وفقه الصلاة  ثم يعطه إجازة بذلك، وعليه فان تلقيه للقرآن وفقه الصلاة يتم بالوحي, وهذه هي النبوة بكل معانيها الشرعية واللغوية. فيكون عيسي ابن مريم هو خاتم النبيين وليس محمد صلى الله عليه وسلم خلافاً لقوله تعالي: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) الأحزاب الآية 40. هذا إلى جانب انه لا يوجد اثر بذلك. قال السيد محمد صديق بن حسن في كتاب (الإذاعة) عن كيفيه تعلم عيسي قال: (ما قيل انه يأخذ السنة بطريق المشافهة أو بطريق الوحي والإلهام, فلم يوجد من ذلك شي يصار إليه) الإذاعة ص89 .

والعقل الذي تقع علي عاتقه التكاليف الشرعية يقف مع الدين في عدم وجود عيسي في السماء بشراً سوياً لعدم وجود أكسجين للحياة طوال هذه الفترة المديدة والزمان المتطاول. وإذا كان الدين والعقل يخالفان الاعتقاد بعودة المسيح من السماء بشراً كاملاً. فعلي أي أساس بني هؤلاء إعتقادهم ؟ .. أم أنه حق فيهم قول الشاعر محمد احمد محجوب رئيس وزراء السودان السابق:

وهيكل تبعته الناس عن سرف   **  كالسامري بلا عقل ولا دين

والمسالة هنا في غاية الحساسية لأنها متعلقة بالعقيدة التي لا تصح العبادة إلا بتصحيحها.

2. الاعتقاد بنزول عيسي من الله روحاً في الأرحام:

إن الوجه الآخر من الاعتقاد في نزول عيسي هو انه ينزل من الله روحا في الأرحام ويولد مره ثانية، ونسوق علي ذلك الشواهد التالية:

قال تعالي: ( إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ) آل عمران الآية 45-46. وقد اخرج ابن جرير في شرحه للآية عن يزيد قال: (قد كلمهم عيسى في المهد وسيكلمهم إذا قتل الدجال وهو يومئذ كهل). إن القرآن عربي والتشريع مفصل ويفهم بمقتضى اللغة العربية يقول تعالى: ( لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ) الشعراء الآية 194-195. وفي اللسان العربي المبين (الكهولة) هي السن ما بين الأربعين إلى الخمسين سنة. وبما أن هذا هو عام 2000 من ميلاد عيسى الأول فإن كلامه للناس كهلاً يستوجب ميلاداً جديداً للمسيح. وهذا الميلاد الجديد مهد له عدم وجوده بشراً كاملاً في السماء. قال تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ) الأنبياء الآية 34. وهو خطاب يشمل كل البشر بمن فيهم عيسى ابن مريم لانه بشر وليس إلها كما ادعت النصارى. ويؤكد معني هذه الآية الحديث الاتي:

(7) روي بن عدي في كتابه (الكامل) عن انس قال: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأينا برداً ويداً, فقلنا:  يا رسول الله ما هذا البرد الذي رأيناه واليد؟ قـال: (قد رأيتموه !! قلنا: نعم . قال: ذلك عيسي ابن مريم سلم علي) وقد أصبحت علاقة البرد (الثلج ) وتأثيره علي الخلايا الحية أمر جوهرى في عمليه الاستنساخ .

(8) قال صلى الله عليه وسلم: (إن عيسي لم يمت وانه راجع إليكم قبل يوم القيامة). رواه الحسن البصري مرسلاً رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وذكره ابن كثير في تفسيره لسورتي آل عمران والنساء.

(9) عن أنس بن مالك قال: كنت أطوف مع الرسول صلى الله عليه وسلم حول الكعبة. إذ رأيناه صافح شيئا لا نراه فقلنا يا رسول الله رأيناك صافحت شيئا ولا نراه ! قال: (ذاك أخي عيسي ابن مريم انتظرته حتى قضي طوافه فسلمت عليه) أخرجه ابن عساكر.

الأحاديث (7)و(8)و(9) أعلاه تبين بجلاء لا ريب فيه أن عيسي ابن مريم قد نزل إلى الأرض وطاف بالكعبة  والتقي بالرسول صلى الله عليه وسلم فيها. وليس هناك ما يؤكد انه رفع مرة ثانية حتى يتوقع نزوله من السماء مره أخرى. وفيها أن عيسي موجود روحاً مؤكدة لمعني الآية (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ) ومؤكداً للميلاد الثاني المشار إليه في قوله تعالي: ( وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا).

توجد طائفة كثيره من الأحاديث الشريفة تمزج بين صفات عيسي ابن مريم وبين مهدي آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من ذريه فاطمة مزجاً لا تكاد تفصل بينهما مما يؤكد أن هذا المهدي هو عين عيسى ابن مريم ذاته، بعد نزوله في الأرحام في آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وولادته مرة ثانية، وينشأ حتى يبلغ الأربعين من عمره ليكلم الناس كهلاً إماماً مهدياً لا نبياً ولا رسولاً.

(10) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم: (المهدي رجل من ولدي، وجهه كالكوكب الدري، لونه عربي، والجسم إسرائيلي. يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً. يرضي بخلافته أهل الأرض والسماء) أخرجه الطبراني في الجامع للأصول ج 5 ص 343.

فلا يمكن أن يكون هذا المهدي المشار إليه في هذا الحديث والذي هو من ولد الرسول صلى الله عليه وسلم إلا عيسى ابن مريم. لقوله صلى الله عليه وسلــم (والجسم إسرائيلي) دون تشبيه. مما يدل بالقطع على أن جسمه إسرائيلي. وأن هذا حتما هو عيسى ابن مريم  فقد كانت له ولادة في بني إسرائيل فهو منهم. كما أكد الرسول صلى الله عليه وسلم ولادته الثانية بأن قال: (من ولدى).

(11) اخرج الطبري عن أبى أُمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يكون بينكم وبين الروم أربعة هدن، يؤم الرابعة على يد رجل من آلـ هارون، تدوم سبع سنين. قيل: يا رسول الله من إمام الناس يومئذ؟ قال: من ولدى ابن أربعين سنة كأن وجهه كوكب دري في خده الأيمن خال أسود عليه عباءتان قطوانيتان، كأنه من رجال بني إسرائيل يستخرج الكنوز ويفتح مدائن الشرك) كنز العمال ج14 حديث رقم 38680. هذا المهدي الذي من ولد النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة، أي كهلاً، مطابقا لعمر عيسى بقوله تعـالى: ( وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ) وقد أشرنا إلى شرح الآية بأنه يكلم الناس كهلاً عندما يقتل الدجال.

ولا يفتح مدائن الشرك مهدي غير عيسى بقوله تعالى عنه: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) النساء الآية 159. وهو الذي يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويهلك الله في زمانه كل الملل ولا يبقى إلا الإسلام، ويعم السلام كمـا وردت بذلك أحاديث كثيرة مشهورة.

(12) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين، لا أدري أربعين يوماً أو أربعين شهراً أو أربعين عاما. فيبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه فيهلكه.. ) رواه مسلم واحمد. هذا الحديث قفل باب الاجتهاد بالنص الصريح أن المهدي الذي من ولده صلى الله عليه وسلم  ذو الجسم الإسرائيلي، في الحديثين (10) و(11) ما هو إلا عيسى ابن مريم. فهو الذي يشبه (عروة بن مسعود) الذي ورد في صريح هذا الحديث. وهنا تبرز ملاحظة في غاية الدقة والأهمية وهي: أن عروة بن مسعود رجل من ثقيف أمه قرشية. أي ان صلته بقريش بأمه وهي نفس الصلة التي تربط عيسى ابن مريم بقريش، إذ لا صلة لعيسى ابن مريم ببني إسرائيل ولا بقريش إلا بأمه لأنـه لا أب له علـى الإطلاق، وإن ولدته إمرأة متزوجة، فان صلته بقريش تكون بأمه كما كانت في بني إسرائيل بأمة. وهذا ما يؤكده ما رواه ابن حجر الهيثمي في كتابه: (القول المختصر في علامات المهدي المنتظر) في الباب الأول مما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال بن حجر عن المهدى: (المهدي من ولد الحسن بن علي). ولا ينافيه حديث انه صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: (والذي بعثني بالحق نبيا أن منهما – يعني الحسن والحسين – مهدي هذه الأمة) لإمكان لحمله على أنه من مجموعهما وأن أباه حسيني وأمه حسنيه. ولعل هذا اقرب للصواب, انتهي.

هذا الكلام واضح وجلي, بأن هذا المهدي الحسني منسوب لأمه الحسنية. ولو كان منسوبا لأبيه لقال: من ولد الحسين, لان أباه حسيني. ولا ينسب لأمه إلا عيسي ابن مريم. فهو يولد مره ثانية في هذه الأمة, وينسب لأمه الحسنية، لا لأبيه الحسيني فلو لم يكن هذا المهدي هو عيسى ابن مريم، لنسبه الرسول صلى الله عليه وسلم لأبيه امتثالاً لقوله تعالى: ( ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ) الأحزاب الآية 5. والذي ينسب إلى أمه هو عيسى ابن مريم، ولا ينسب لأمه أحداً سواه.

ومن النصوص المخبرة عن نزول عيسى ابن مريم، يلاحظ تكرار نزوله. فقد صح انه ينزل في المنارة البيضاء شرقي دمشق، وفي عقبة أفيق، وفي بيت المقدس، وفي عسكر المسلمين. ويتكرر نفس المشهد في صلاة الصبح بين الإقامة وتكبيرة الإحرام وتختلف تسمية الإمام مرة بقوله المهدي، وأخرى يقول أميرهم، وثالثة: إمامهم، ورابعة إمامهم رجل صالح. وفي كل المواقف يعتذر عيسى ابن مريم. وهذا كله يؤكد حقيقة أن عيسى ابن مريم يأتي إلى هذه الأماكن من المغرب وليس من السماء، وإلا لما تكرر النزول من السماء. واختلاف تسمية الإمام، مرة المهدي، ومرة أميرهم أو رجل صالح تؤكد إن المهدي الذي من ولد فاطمة هو عيسى ابن مريم. ويؤكد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (لا مهـدي إلا عيسى ابن مريم) ذكره ابن كثير في الفتن وصححه.

أما كيفية نزوله روحا فتحددها كيفية رفعه وهي كالاتي:

حقيقة وفاة عيسى ابن مريم:

ورد في القرآن الكريم صفتان للوفاة:

(1) الموت: والموت هو مفارقة الروح للجسد وعروجها للسموات، ولا تعود الروح مرة ثانية للجسد إلا يوم البعث. وقد بين القرآن ذلك في قوله تعالى: ( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) التكوير الآية 7.

(2) النوم: يقول الله تعالى: ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ) الزمر الآية 42. وسمى النوم وفاة لتعطل الحواس الظاهرية (السمع والبصر والشم والذوق واللمس) وهي تعود للعمل بعد أن يستيقظ الإنسان من النوم. وهى تتعطل عند الموت ولا تعود للعمل بسبب مفارقة الروح للجسد. مع استثناء للسمع كما ورد في قتلى بدر.

أما وفاة عيسى ابن مريم فقد حدثت نتيجة لتلاشي جسده في روحه ففقد جسده الذي هو مصدر الحواس الظاهرية، وفقد حواسه تبعاً لذلك تماماً كما يفقد النائم حواسه. وعليه يكون المعنى الصحيح لوفاة عيسى ابن مريم، هو تلاشي جسده في روحه ولم تنفصل روحه عن جسده. إذ أن فصل الروح من الجسد يعتبـر موتا (وان عيسى لم يمت) الحديث(8). فرجع عيسى إلى حالته الأولى أي روحاً يكمن فيها جسده (لأن روح عيسى جوهر وجسده عارض). وعند الوفاة يتلاشي العارض ويبقى الجوهر. ومتى ما تهيأت له ظروف النشأة الأولى، يعود جسدا مرة أخرى بنفس الروح والجسد السابق. ولتقريب المعنى للأذهان نضرب مثلاً: إذا نظرت إلى ساق نبات فإن هذا الساق يحتوي على البذرة ولكننا لا نراها. ومتى ما توفرت الظروف فإنها سوف تظهر للوجود. والله تعالى ضرب النبات مثلا للإنسـان فقـال: (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا) نـوح الآية 17.

فعيسى ابن مريم نزل من السماء روحاً تحتوي علي جسده ونفخ روحا في رحم مريم بنت عمران، وتهيأت الظروف الملائمة في الرحم لتتكشف الروح عن الجسد، فكان طفلاً وليس جسده بضعة منه.

وهذا يؤكده قوله تعالى: ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) آل عمران الآية 59. وبالوفاة والرفع في بني إسرائيل عاد الجسد إلى الروح وحفظ بداخلها. وعند عودته إلى الأرض سينزل روحا كنزوله الأول من الله. وعندما تتهيأ للروح نفس الظروف الأولى، وهى النزول في الرحم تكشف الروح عن ذلك الجسد طفلاً هو نفس الطفل الأول، إلا انه يخرج من رحم غير مريم التي ماتت ولا سبيل إلى إعادتها لتلد المسيح مرة ثانية. بل تلده في عودته الثانية إمراة غير أمه الأولي. والعلم التجريبى اليوم يؤيد ذلك. فكم طفل في عالم اليوم ولدته إمراة غير أمه الحقيقية. يقول تعالى: ( سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) فصلت الآية53. وقد اراكم الله حقيقة إمكانية ميلاد عيسى مرة أخرى ومن أم غير أمه الأولى، بمعجزات الطب الحديث في أطفال الأنابيب وعمليات الإستنساخ. وأن عيسى ابن مريم يولد مرة ثانية، وهذه حقيقة يقرها العلم الحديث.. فسليمان أبو القاسم هو نفس عيسى ابن مريم المسيح بجسد واحد وروح واحدة ولا ريب.

 

معجزة المسيح

لم تكن لنوح وهود وشعيب ولوط عليهم السلام معجزات لبرهان صدق رسالاتهم. وبعد أن ختم الله علي قلوب أقوامهم بالكفر, أهلكهم بالطوفان والصيحة والريح العقيم, ليكونوا عظة لمن خلفهم. كما أن المعجزة  لم تكن يوماً من الأيام سبباً لإيمان أمة من الأمم. فقد عقرت ناقه صالح في تحدي صارخ وتحدت قريش الرسول صلى الله عليـه وسلـم وقالـوا:  ( عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَاب) أو (فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ ). ولما جاء موسي قوم فرعون بتسع آيات بينات: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى) القصص الآية 36. لم يقيموه بأكثر من ساحر, ولم يعترفوا بربه الذي يعبده لذلك قالــوا: ( ادْعُ لَنَا رَبَّكَ ) ولم يقولوا: (ربنا). ولم يؤمن النمروز لإبراهيم بعد أن خرج من النار سالماً, لأن المعجزة الخارقة للعادة تتخطى حجاب العقل, فلا يعترف العقل بتجاهله وتهميش دوره. فيطعن هو الآخر في المعجزة ويعتبرها ضربا من ضروب الدجل والسحر والشعوذة. فاعتبرت بنو إسرائيل، عيسى ابن مريم ساحرا مشعوذا، لما أحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص. وفي المناظرة التي جرت بيني وبين عبدالجبار المبارك في وزارة التخطيط تحت أشراف الدولة وعندما اثبتُ للحضور ان عيسي ابن مريم يولد مرة ثانية في السودان تحديداً وهو مجدد القرن الخامس عشر الهجري وهو سليمان ابو القاسم وعندما عجز عبد الجبار أمام النصوص لجأ إلي طلب معجزة ولما ابديت إستعدادي قال: لو أتيت بالأهرامات من مصر لا نؤمن بك.

فأنسب وسيلة لإثبات أي دعوة هي مخاطبة العقول السليمة. فقد إستسلم النمروز للحجة العقلية المنطقية عندما حجه إبراهيم عليه السلام بقوله: ( فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ ) فكانت النتيجة  (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ) البقرة الآية 258 .

قـال ابن كثيـر في تفسيره 1/98 قال القرطبي في تفسيــره 1/297:   (قال علماؤنا من اظهر الله على يديه كرامات وخوارق العادات، فليس ذلك دالاً على ولايته. وقد استدل بعضهم على ان الخرق قد يكون على يد غير الولي، بل قد يكون على يد الفاجر والكافر أيضاً. قال يونس بن عبد الله الصدقي قلت للشافعي: كان الليث بن سعد يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره علـى الكتـاب والسنـة. فقال الشافعي: قصر الليث رحمه الله، بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء، فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة) فجزى الله عنا علماء السلف خيراً ونحمد الله على جزيل نعمته. فقد حسم هذا الأمر بقوله تعالى: ( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) الرعد الآية 43. وعلم الكتاب عنـد أحبار هذه الأمة وفقهائها. فقد فصل الله فيه كل شيء يقول تعـالى: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ) النحل الآية 89. ولا يحتاج معه الناس إلى خرق عادة لإثبات صحة دعوة صاحبها. فالقرآن فصل لنا أمر هذه الأمة وما كان وما سيكون. قال صلى الله عليه وسلـم واصفـاً القرآن: (فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم .. ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله) هذا كلام حاسم وعلاوة على ذلك فإن معجزات عيسى ابن مريم كانت قاصرة فقط على زمن رسالته إلى بني إسرائيل خاصة. يقول الله تعالى: ( وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )آل عمران الآية 49. وإلى جانب هذا كانت هنالك ضرورة تقتضي نطق عيسى ابن مريم في المهد، لسببين أساسيين:

الأول: دفع شبهة الفاحشة عن أمه، التي لم تجد أي منطق عقلي تبرهن به على عفتها، وآثرت الصمت بناء علي تعليمات تلقتها. فكان كلامه في المهد رفعاً لمعنوياتها المحطمة.

والسبب الثاني: هو دفع الألوهية عنه. وهذا ما تبين لاحقاً, عندما قالت النصارى: المسيح ابن الله, وثالث ثلاثة. وهذه هي نفس الأسباب التي استدعت أطفالاً للتكلم في المهد, كصاحب جريج وشاهد يوسف لرد تهمه الفاحشة عنهما. وتكلم ابن الماشطة لدفع ألوهية فرعون. فليس الكلام في المهد مسألة خاصة بالنبوءة. وهب أني تكلمت في طفولتي وقلت: ( إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ) فأي كتاب أوتيته بعد القرآن؟! وأي نبوءة بعد محمد صلى الله عليه وسلم ؟! ألا ترون في هذا الكلام الضلال بعينه، علما بأن والدتي لم تجد حرجا في إنجابي فلم يشك والدي يوما قط في كوني ابنه. وقد قال يوما ما في حشد حافل في المجلد: (لو كنت أجيد نظم الشعر لنظمت في ولدي سليمان قصائداً وتغنيت بمدحه) نقل هذا جماعة منهم عمي مصطفى ختم رحمه.

ولو رجعنا إلى الكتاب والسنة نجد أن معجزة عيسى المهدي عسكرية، لأنه يجئ في ظروف حروبات طاحنه لا منطق فيها إلا القوة. وبكل تأكيد فإن إسرائيل التي حاولت قتل عيسى الرسول بعد تلك المعجزات الواردة في الآية (49) من سورة آل عمران، فلو جاءهم اليوم بمثلها فلا يتوقع أن يسلموه مفاتيح بيت المقدس، خاصة إذا جاءهم بالإسلام ومن العرب فإسرائيل اليوم لن تكف عن الغطرسة والتعدي إلا بهزيمتها عسكرياً، وتلك تستوجب المعـجزة العسكرية التي تلائم منطق القوة في الظروف السائدة اليوم.

(13) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حصار الدجال للمسلمين: (...حتى إذا طال عليهـم الحصار، قال رجل من المسلمين: يا معشر المسلمين حتى متى انتم هكذا وعدوكم نازل بأصل جبلكم هذا؟ هل انتم إلا بين إحدى الحسنين بين أن يستشهدكم الله أو يظهركم؟ فيتبايعون على القتال بيعة يعلم الله إنها الصدق من أنفسهم، ثم تأخذهم ظلمة لا يبصر أحدهم فيها كفه، فينزل عيسى ابن مريم، فتنحسر عن أبصارهم وبين أرجلهم، وعليه لأمه. فيقولون من أنت؟ فيقـول أنا عبد الله ورسوله وروحه وكلمته، عيسى ابن مريم، اختاروا بين إحدى ثلاث: بين أن يبعث الله على الدجال وجنوده عذاباً من السماء  جسيماً، أو يخسف بهم الأرض، أو يسلط عليهم سلاحكم ،ويكف سلاحهم عنكم. فيقولون: هذه يا رسول الله أشفي لصدورنا وانفسنا. فيومئذ ترى اليهودي العظيم الطويل الأكول الشروب، لا تقل يده سيفه من الرعب، فينزلون إليهم فيسلطون عليهم، ويذوب الدجال حين يرى ابن مريم أو يدركه فيقتله) أخرجه معمر في جامعه ورواه الحافظ بن عساكر في تاريخ دمشق. هذا الحديث يؤكد حقيقة منطقية هي أن هذه القوة الإسرائيلية الضاربة، ومن ورائها القوة الأمريكية الهائلة، لا يمكن للمسلمين تحقيق نصر عليها بالقوة العسكرية إلا على يد شخص مؤيد بإعجاز رباني كما وضحت الأحاديث. فأي شخص يدعى التجديد في هذا القرن وإمامة هذا الوقت، فإن إزالة إسرائيل من القدس هي مجال امتحان صدق دعوته. لأن مهمة المجدد حل مشاكل المسلمين في زمانه. ومشكلة المسلمين اليوم هي إسرائيل ومن ورائها أمريكا التي ملئت بها الدنيا ظلماً وجوراً. وكما ورد في السنة والقرآن، فإن بني إسرائيل عندما يعودون إلى الأرض المقدسة تحت راية الدجال، لا يقضي عليهم إلا عيسى ابن مريم ، كما سيتضح ذلك لاحقاً، ولكن بعد ما نتعرض لتعريف الدجال.

 

الفصل الرابع

المسيـــح الدجــــال

     اختلف العلماء الأقدمون واللاحقون في شخصية الدجال وحقيقته  فمنهم من قال انه ابن صياد أمثال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة. ومنهم من أنكر حقيقة وجود الدجال من علماء هذا العصر مثل المرحوم محمود شلتوت مفتي الديار المصرية في عهد جمال عبد الناصر وآخرون. ومرد الخلاف في الأساس راجع إلى خوارق الدجال، وشخصيته التي لا يمكن تصورها بالعقل. فأنكر البعض وجوده مطلقا على الرغم من صحة سند أحاديثه. وقال البعض إن الدجال مظهر لا حقيقة له.

قال ابن كثير في كتاب الفتن: (قد تقدم حديث حذيفة وغيره أن ماءه نار وناره ماء بارد وإنما ذلك رأي العين وقد تمسك بهـذا الحديث طائفـة من العلمـاء كإبن حزم والطحاوي وغيرهما في أن الدجال مموه لا حقيقة لما يبدي ) انتهي.

ولا يمكن أن تفهم حقيقة الدجال إلا من منظار هذا الفهم. لا يمكن لرجل يولد لأبوين من البشر يستطيع أن يحمل معه جنه ونار ويحمل فيها البشرية جمعاء، الذين يقدر تعدادهم بأكثر من سته آلاف مليون نسمة. فهذا لا يستقيم عقلاً. فأما أن ترفض أحاديث الدجال جملة واحدة وإما أن تصرف إلى التأويل، أي أن الدجال مظهر لا حقيقة.

وأقول: إن هذا المظهر هو ما أفرزته الحضارة الغربية من إعجاز في مجال العلوم المختلفة.

فعين الدجال ترى أقصى الأرض بما نشاهد على شاشة التلفزيون التي تنقل لنا ما يجري حول الأرض من وقائع حية، وتسمع بإذن الدجال ما يتهامس به الناس عبر البحار بالهواتف المتنقلة وأجهزة المذياع. وله حمار يركبه. وإليك صفات الدجال في الحديث الآتي:

(14) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يخرج الدجال في خفة من الدين وإدبار من العلم، وله أربعون ليلـة يسيحهـا في الأرض، اليوم منها كالسنة، واليوم منها كالشهر، واليوم منها كالجمعة، وسائر أيامه كأيامكم هذه. وله حمار يركبه عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعاً فيقول للناس: أنا ربكم وهو اعور، وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كفر بهجاء، يقرأه كل مؤمن كاتب أو غير كاتب، يرد كل منهل إلا مكـة والمدينـة حرمهمـا الله عليه، وقامت الملائكة بأبوابهما. ومعه جبال من خبز، والناس في جهد إلا من تبعه. ومعه فتنه عظيمة يأمر. السماء فتمطر فيما يرى الناس) رواه احمد في المسند 3/367. وقد بين هذا الحديث الحقائق التالية:

(أ) أيام الدجال: (يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم هذه). هذا يتضح في تدرج طول اليوم. فاليوم عند القطبين سنة كاملة، ستة اشهر منها نهاراً والستة الأخرى ليلاً. ثم يتدرج إلى أن يكون سائر أيامه كأيامنا هذه في  المنطقة المدارية. وقد  ظهر ذلك بفضل الكشوفات الجغرافية، مما يؤكد أننا الآن نعيش أيام الدجال. فهو أولى بمعايشتها منا فهو الآن بين ظهرانينا (وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ) يوسف الآية105.

(ب) حمار الدجال: ذكر ابن كثير في صفة الدجال في الفتن قال: قال عبدان في كتاب (معرفة الصحابة)  روى سفيان الثورى عن عبد الله بن ميسرة عن حوط العبدي.

عن مسعود قال: (أذن حمار الدجال يظل سبعين ألفا) وفي بعـض الروايات (سبعين ألفاً من اليهود).

(ج) وذكر أيضاً عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدجال يتناول السحاب ويخوض البحر إلى ركبتيه، ويسبق الشمس إلى مغربها, وتسير معه الآكام وفي جبهته قرن مكسور، وقد صور في جسده السلاح كله حتى السيف والرمح والدرق).

(د) وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سرعة الدجال فقـال: ( كالغيث استدبرته الريح). هذه الأحاديث الواردة عن صفة حمار الدجال، تدل على ان حمار الدجال هو الطائرة:

(هـ) إذ وصفت سرعة الحمار كالغيث إستدبرته الريح. فالطائرة تسير في الأرض أو في السماء بدفع الريح إلى الخلف والانسياب إلى الأمام، وتخرج الريح من دبرها بفعل المراوح التي تدفع بالريح إلى الخلف. إن الطائرة (الحمار) تسبق الشمس إلى مغربها، فلو ركبت طائرة من سابقات الصوت بعد أن غربت الشمس وسرت في اتجاهها، فإنك ستدرك الشمس التي غربت، وتطلع لك من مغربها حتى تغرب خلفك في مشرقها وهو معنى (يسبق الشمس إلى مغربها) فسرعة الدجال هي سرعة حماره الذي يركبه. وفي مقدمه الطائرات الحربية قرن مدبب في بعضها، ينكسر إلى اسفل وفي هذه الطائرات قذائف دفاعية وأخرى هجومية، كنَّي عنها بقوله: (الدرق والسيف والرمح). أما أذن حمار الدجال التي تظل سبعين ألفاً فهذا ما فعلته الطائرات الأمريكية في حرب 1973م، إذ قامت بعمل مظلة جوية فوق سماء إسرائيل لحماية اليهود من القوات المصرية التي اكتسحت خط (بارليف) واجتاحت القوات الإسرائيلية. وبفضل هذه المظلة الجوية والجسر الجوي الذي أقامته الطائرات الأمريكية لنقل العتاد الحربي الفوري من أمريكا، تحول نصر المصريين إلى هزيمة. هذا إلى جانب أن القوات المحمولة جوا بالطائرات تسمى مظلات تماما كما وصف الرسول صلى الله عليه وسلم فعل أذن حمار الدجال.

(و) ادعاء الدجال للربوبية: إن الطفرة الحضارية التي وصلت قمتها هذه الأيام بتمكن الإنسان من استنساخ بشر، جعلت أحد الأطباء الأمريكان إن يدعي انه اصبح هو والله تعالى في مرتبة واحدة وهذا ادعاء صريح للربوبية.

(ز) ادعاء الدجال للنبوة: قال صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريبا من ثلاثين كل يزعم انه رسول) رواه البخاري ومسلم. فالولايات المتحدة الأمريكية نصبت نفسها شرطياً على العالم وأنها رسول سلام إلى العالم اجمع، في حين أنها كاذبة في ذلك. فهي التي تنفق على سلاح الدمار الشامل اكثر من أي دولة أخرى، وتتدخل فيما لا يعنيها وتستعمل الأسلحة الهوجاء لدمار وقتل الأبرياء بحجة رعاية مصالحها، وتسويق أسلحتها.

(ح) عور الدجال: تعرض ابن كثير في كتاب الفتن إلى تضارب الروايات في عور عين الدجال، فأحاديث تذكر أنها العين اليمنى، وأخرى تقول أنها العين اليسرى. وقال ابن كثير: (أو أن العور حاصل في كل من العينين، ويكون معنى العور، النقص أو العيب).

(ط) رسم الكفر على وجه الدجال: إعتقد بعض الصحابة ومنهم عمر بن الخطاب أن إبن صياد هو الدجال وبما انه لا توجد حروف هجاء واضحة على جبين ابن صياد بالأحرف (ك – ف – ر) يكون رسم الكفر في وجه الدجال كما بينه قول الله تعالى: ( يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ )الرحمن الآية41.

(ي) يأمر السماء فتمطر: وهذا واضح في المطر الإصطناعي.

(ك) يرد كل منهل إلا مكة والمدينة: الحضارة الغربية أدت إلى التفوق النوعي والكمي في السلاح في دول أروبا وهذا أدى بدوره إلى إستعمار أوربا للعالم. فالإستعمار مظهر من مظاهر هذه الحضارة وإن مكة والمدينة لم تخضعا للإستعمار.

(ل) الناس في جهد إلا من تبعه: الإستعمار الغربي سلب خيرات البلاد المستعمرة وبعد خروجه منها أغرقها بديون باهظة وفرض عليها نظاما ربوياً، فوجدت الدول أنها مكرهة على الانسياق وراء تلك الدول وإلا قطعت منها القروض والمعونات وواجهت الإفلاس والمجاعة.

(م) جنة الدجال: تقدم الإنسان في مجال الصناعة وأصبح كل شئ مسخر لراحة الإنسان ومتعته فهو يطعم فاكهة الصيف في زمن الشتاء وفاكهة الشتاء في زمن الصيف ويستمتع بالتدفئة في الشتاء والتبريد في الصيف بفعل التقنية. فهو باختصار لا يري فيها شمسا ولا زمهريراً ودانية عليه ظلالها وظللت قطوفها. فلو اشتهيت اي طعام فإنه يأتيك في ساعات ولو من أقصى الأرض وبهذا العرض الموجز والمختصر نكون قد بينا بإيجاز شديد الدجال المتمثل في المظهر الحضاري للعالم الغربي.

(ن) الدجال كشخص: إن أي شخص يستعمل قوته المادية بما توفره له هذه الحضارة، واستغلال ضعف الآخرين لإظهار الفساد في الأرض، فهو دجال. وكما علمنا أن هناك اكثر من دجال رجالاً ونساء كما في الحديث الذي أخرجه الطبري عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (في أمتي كذابون دجالون سبعة وعشرون أربعة منهم نسوة) كنز العمال الجزء 14 حديث رقم 38360. هؤلاء الدجالون هم الذين يفرضون الحصار على السودان والعراق وفلسطين. وهناك ملاحظة هامة هي أن الحرب في هذه المواقع الثلاث هي التي تديرها بطريقة مباشرة أو شبه مباشرة أمريكا وإسرائيل. وتفرد لكل حصار فصل.

 

الفصل الخامس

حصـــار الســــودان

(15) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(ويكون للمسلمين ثلاثة أمصار مصر بملتقى البحرين ومصر بالحيرة، ومصر بالشام، فيفزع الناس، ثلاث فزعات فيخرج الدجال في أعراض الناس، فيهزم من قبل المشرق. فأول مصر يرده المصر الذي بملتقى البحرين فيصير أهله ثلاث فرق. فرقه تبقى تقول نشامه ننظر ما هو؟، وفرقة تلحق بالأعراب وفرقه تلحق بالمصر الذي يليه، ومع الدجال سبعون ألفاً عليهم السيجان وأكثر تبعه من اليهود والنساء، ثم يأتي المصر الذي يليه فيصير أهلـه ثلاث فرق، فرقـة تقـول نشامـه ننظر ما هو؟، وفرقه تلحق بالأعراب وفرقة تلحق بالمصر الذي يليه بغربي الشام، وينحاز المسلمون إلى عقبة أفيق، فيبعثون سرحاً لهم فيصاب سرحهم، فيشتد ذلك عليهم، ويصيبهم مجاعة شديدة وجهد شديد حتى إن أحدهم ليحرق وتر قوسه فيأكله. فبينما هم كذلك إذ نادى منادٍ من السحر أيها الناس أتاكم الغوث ثلاثاً، فيقول بعضهم لبعض: إن هذا لصوت رجل شبعان، وينزل عيسى ابن مريم عليه السلام عند صلاة الفجر فيقول له أميرهم: يا روح الله تقدم صلّ. فيقول: هذه الأمة أمراء بعضهم على بعض فيتقدم أميرهم فيصلي فإذا قضى صلاته اخذ حربته فيذهب نحو الدجال، فإذا رآه الدجال ذاب كما يذوب الرصاص، فيضع حربته بين ثندوتيه فيقتله وينهزم أصحابه، فليس يومئذ شيء يوارى منهم أحداً حتى أن الشجرة لتقول يا مؤمن هذا كافر ويقول الحجر يا مؤمن هذا كافر) أخرجه أحمد في مسنده واللفظ له، وأخرجه ابن شيبة والطبرانى والحاكم وصححه.

ويستفاد من هذا الحديث الآتي:

أ/ أمصار المسلمين عند خروج الدجال ثلاثة هي:-

السودان: المشار إليه في الحديث. بملتقى البحرين وهما النيل الأزرق والنيل الأبيض ويلتقيان عند مقرن العاصمة المثلثة. والبحر قد يعني النهر، يقول الله تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هـَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ) فاطر الآية 12.

العراق: المشار إليه بالحيرة، فالعراق اليوم يضم مملكة الحيرة القديمة.

فلسطين: المشار إليها بالشام، وهذه المناطق محاصرة اليوم من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل مظهر الدجال وجنوده.

وهنا ملاحظة هامة: وهي أن الدجال يهزم مَنْ هم مِنْ قبل المشرق، أي يهزم العراق، ولم يهزم مَنْ هم مِنْ قبل المغرب- السودان- لأن طائفة المغرب لا تزال ظاهرة حتى يخرج عيسى ابن مريم.

راجع الحديث (5) قال صلى الله عليه وسلم: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين حتى ينزل عيسى ابن مريم) كنز العمال ج(14) ص 618.

ب/ عندما يأتي الدجال إلى المصر الذي يلي مصر ملتقى البحرين: وهو مصر الحيرة في العراق، فإن فرقة تلحق بالمصر الذي يليه غربي الشام. وهذا ما حدث بالفعل. فعندما اشتد حصار التحالف الغربي الصليبي على العراق في حرب الخليج الثانية، كان هناك ممراً واحداً مفتوحاً هو غربي الشام عن طريق الأردن التي تقع فيها عقبة أفيق، خرج منه الفارون من -حرب الدجال- حرب الخليج الثانية. وسنعود لبعض نصوص هذا الحديث عند الكلام عن حصار العراق. ولكننا نركز الآن على حصار السودان ونزول عيسى ابن مريم على طائفته التي تقاتل على الحق ظاهرة كما بينت الأحاديث، يقول الله تعالى في خبر ذي القرنين: ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) الكهف الآية 86. ولقد ثبت بالدليل القاطع أن الشمس الظاهرية لا تغرب في عين حمئة. وأصبح لزاماً علينا صرفها إلى التأويل. ولا نجد في ذلك عنتاً ولا تكلفاً. فلنا دليل من القرآن على ذلك. قال تعالى واصفاً رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) الأحزاب الآية (45 ـ 46) . فقد أكد القرآن هنا، إن الرسول صلى الله عليه وسلـم سـراج بدون تشبيـه قال تعـالى: (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ) نوح الآية(11). والشمس هنا سراجٌ بدون تشبيه، وعليه فإن وصف خليفة الله في أرضه بالشمس هو من التأويل القريب. وكان جلياً في القرآن نفسه في رؤيا سيدنا يوسف عليه السلام. يقول تعالى على لسـان يوسف: (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ) يوسف الآية 4. ولما جاءت أسرة يوسف ودخلوا عليه قال تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا) يوسف الآية100. فيعقوب عليه السلام كان قطب زمانه فكان شمساً. ويسمى خليفة الله قطباً لأنه مركز يدور حوله فلك الأولياء تماماً كما تدور الكواكب حول الشمس. وقد فهم الصوفية ذلك واستيقنوا منه.

يقول البصيري مادحاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم:-

شمس فضل تحقق الظن فيه   *   انه الشمس رفعةً والضياء

 وعلم إبن عربي يقيناً أن الشمس التي تغرب في عين حمئة هو عيسى ابن مريم، وإن العين الحمئة هي أمه التي تلده من هذه الأمة المحمدية، لأنها مخلوقة من الحمأ المسنون الذي خلق منه آدم عليه السلام يقول تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍٍ) الحجر الآية 26. وألف في هذا الشأن كتابا سماه (عنقاء مغرب في ختم الأولياء وشمس المغرب). ولمحَّ في هذا الكتاب عن شمس المغرب بأنها هى عيسى الذي ينزل روحاً في بطن إمرأة في الغرب بقوله: ( فإذا دنى الأجل واقترب طلع هادياً من حيث غرب) والمعنى أن عيسى ابن مريم عند ما يقرب وقت بعثه مهديا يطلع من بطن أمه وينشأ حتى يبلغ الأربعين سنة ثم يبعث مهديا لهذه الأمة وهو من المغرب، لأنه غرب في الغرب. وهذا ما تؤكده الأحاديث الآتية:

(16) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الدجال خارج وانه أعور عين الشمال، وانه يبرئ الأكمة والأبرص ويحي الموتى، ويقول للناس أنا ربكم. فمن قال أنت ربي فقد فتن، ومن قال ربي الله حتى يموت فقد عصم من الفتنة ولا فتنة عليه ولا عذاب، فيلبث في الأرض حتى ما شاء الله، ثم يجئ عيسى ابن مريم من قبل المغرب مصدقاً بمحمد وعلى ملته، فيقتل الدجال، ثم إنما هو قيام الساعة) رواه احمد وله شاهد في البخاري ومسلم على مجيئه من المغرب.

 

 يستفاد من هذا الحديث:

أولاً: أن الذي يبرئ الأكمه والأبرص ويحي الموتى آخر الزمان، هو الدجال وليس عيسى ابن مريم، لاحظوا ذلك في الحديث.

ثانياً: أن عيسى ابن مريم يجيئ من المغرب، مطابقاً لما جاء في الحديث (5).

(17) عن جابر بن سمرة قال: سألت نافع بن عقبة بن أبي وقاص، قلت: حدثني هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الدجال؟ فقال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده طائفة من أهل المغرب يسلموا عليه، وعليهم الصوف. فلما دنوت منه سمعته يقول: (تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله عليكم، ثم تغزون فارس فيفتحها الله عليكم، ثم تغزون الروم فيفتحها الله عليكم، ثم تغزون الدجال فيفتحها الله عليكم) رواه ابن حبان ج8 رقم 6638.

يؤكد هذا الحديث الحقائق الآتية:

أ. إن قائد طائفة المغرب هو عيسى ابن مريم، لأنها هي التي تقتل الدجال. ولا يقتل الدجال إلا عيسى ابن مريم. قال صلى الله عليه وسلم: (لم يسلط على قتل الدجال إلا عيسى ابن مريم)  أخرجه ابو داؤد .

ب. يرسم هذا الحديث خط سير المسيح في تنقله في عسكر المسلمين أثناء قتاله للدجال، مطابقاً تماماً للحديث الذي ورد في الفقرة (15)، من السودان عبر الجزيرة العربية من قوله (تغزون جزيرة العرب) ثم إلى العراق من قوله (تغزون فارس)، إشارة إلى الحيرة الواردة في الحديث (15) وكانت تابعة لفارس أيام نطق الرسول صلى الله عليه وسلم بالحديث كما أن العراق الحالي يضم  أجزاء من فارس القديمة، ثم تغزون الروم التي كانت تحتل غربي الشام زمن الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم يغزون وينتصرون على الدجال ويفتحون بيت المقدس.

ج. من هذا الحديث تبرز ملاحظة هامة، وهي أن الدجال رجل طاغية يقود اليهود في حربهم ضد المسلمين لتحرير بيت المقدس، وليس شخصاً يحمل على عاتقه جنة ونار وجبل خبز وكل ذلك يصرف للتأويل.

(18) عن عمار بن ياسر قال: (إن لأهل البيت بينكم أمارات، فألزموا الأرض حتى ينساب الترك في خلافة رجل ضعيف فيخلع بعد سنتين من بيعته، ويحالف الترك بالروم -ويخسف بغربي مسجد دمشق. ويخرج ثلاث نفر من الشام، ويأتي هلاك ملكهم من حيث بدأ، ويكون بدأ الترك بالجزيرة والروم وفلسطين - فيتبع عبد الله عبد الله فيلتقي جنودهما بقرقيسياء على النهر، فيكون قتالاً عظيم ويسير صاحب المغرب فيقتل الدجال) كنز العمال ج (11) حديث رقم 31497. هذا الحديث يؤكد لنا إن صاحب المغرب الوارد في هذا الحديث هو قائد طائفة المغـرب في الحديث (17) وصاحب المغرب الذي يقتل الدجال هو عيسى ابن مريم. وغرب الجزيرة العربية هو السودان. إذ لا يسلط على قتل الدجال غيره.

(19) روى الإمام الطبري عن الرسول صلى الله عليه وسلـم  قال: ( إنما يجدد هذا الدين آخر الزمان السود الجعد أهل الجلابيب من وراء البحر) فإذا نظرت إلى خريطة الجزيرة العربية فإنه لا يوجد شعب من وراء البحار التي تحيط بالجزيرة العربية ينطبق عليهم هذا الوصف إلا السودان وبما أن المجدد آخر الزمان هو عيسى ابن مريم بلا خلاف بين العلماء، فإنه من السودان بنص الحديث.

(20) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في شرحه لسورة الواقعة يقول الله تعـالى: ( ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ ) الواقعة الآية  (39 ـ 40). قــال: (من آدم إلى ثلة وأمتي ثلة، ولن تكتمل ثلتنا حتى تستعينوا بالسودان من رعاة الإبل) اسباب النزول للسيوطى.

حسم الرسول صلى الله عليه وسلم الاجتهاد بالنص الصريح، بأن عيسى ابن مريم من السودان، لأن الثلة التي تكمل ثلة الصحابة هي ثلة عيسى ابن مريم من هذه الأمة أمة آخر الزمان.

(21) قال صلى الله عليه وسلم: (ليدركن المسيح أقواماً مثلكم أو خير منكم ثلاث مرات، ولن يخزى الله أمة أنا أولها وعيسى آخرها) أخرجه الحاكم في المستدرك ج3 رقم 41.

ولا يمكن أن تكون الثلة التي تكمل ثلة الصحابة الواردة في الحديث، إلا ثلة عيسى ابن مريم، فلو كملت ثلة الإسلام قبل مجيء عيسى ابن مريم، فإن ذلك يخرج عيسى وصحبه من طائفة الإسلام، وهذا باطل.

ومن الأدلة القاطعة من الكتاب والسنة، يتبين أن عيسى ابن مريم رسول الله إلى بني إسرائيل يبعث مهدياً في هذه الأمة ويحمل الجنسية السودانية بالميلاد لا بالتجنس (الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) البقرة الآية 146. ولا يلتفت إلى الذين يكتمون الحق وهم يعلمون، ولا إلى الذين على قلوبهم أقفالها.

ولا أظن أن اسم (سليمان) يسبب إشكالاً، فالذات الواحدة قد يلحقها اكثر من اسم. فعيسى ابن مريم لم يسم بالمسيح عند ولادته في بني إسرائيل. بل عرف الله تعالى الناس به بعد ثلاثين عاماً من ميلاده. كما إن اسمي (سليمان) له شاهد في قوله تعالى علـى لسـان المسيـح: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ) مريم الآية 33. فسليمان مشتق من معني هذه الآية.

(22) قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (رأيت موسى وعيسى وإبراهيم ... فأما عيسى فاحمر جعد عريض الصدر وأما موسى فآدم جسيم كأنه من رجال الزط) رواه البخارى .

(23) قال صلى الله عليه وسلم: (بينما أنا نائم أراني أطوف الكعبة وإذا برجل آدم سبط الشعر يهود بين رجلين، ينطف رأسه ماء أو يهرق ماء فقلت من هذا؟ قالوا: هذا المسيح ابن مريم) رواه البخارى. من الحديثين يلاحظ وجود اختلاف واضح في صفات المسيح عيسى ابن مريم. وقد علق محمد شفيع مفتي باكستان أو عبد الفتاح أبوغدة على هذا التعارض قائلاً: (يمكن أن هذا الاختلاف باختلاف الأوقات) وقال أيضاً في لون عيسى: (الآدم: الشديد السمرة الأقرب إلى السواد) راجع كتاب (التصريح بما تواتر فى نزول المسيح) لمحمد أنور شاه الكشميرى تحقيق محمد شفيع.

إن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يناقض بعضه بعضا، وخاصة إذا كان راوي الحديثين المتعارضين هو البخارى، وبإتفاق السلف والخلف فإن صحيحه اصدق كتاب بعد القرآن. والتفسير الوحيد لكي لا يتعارض كلامه صلى الله عليه وسلم هو أن يولد عيسى ابن مريم وتكون له نشأة ثانية في بيئة (سودانية)  فيكون بمواصفات سودانية جعد الشعر آدم اللون -فالسودان  يقع في المنطقة المدارية التي تسود لون البشرة وتعطل نمو الشعر- فيكون متقبضاً جعداً. أما النشأة الأولى في الشام، خارج المنطقة المدارية، فإنه سبط الشعر، احمر أو مربوع الحمرة إلى البياض. فكلما ابتعدت المنطقة عن مدار الشمس، كان لون البشرة مائلا إلى الحمرة والبياض. والشعر مسترسلاً سبطاً. فمن لون عيسى في نشأته الثانية ومن مواصفاته يستبين (انه سوداني من إفريقيا).

(24) ورد في الأثر (يكون بإفريقية أمير يلي اثني عشر عاما، وتكون بعده فتنة، ثم يلي أمير أسمر، يسير إلى المهدي ويؤدي إليه الطاعة ويقاتل عنه) الهيتمى فى القول المختصر في علامات المهدى المنتظر. يبدو أن المقصود بهذا الأمير، الرئيس عمر البشير وان الفتنة المذكورة في الحديث قد تكون فتنه المؤتمر الوطني بإنقسامه والله اعلم.

أما الأمير الأسمر الذي يسير إلي المهدي ويؤدي إليه الطاعة ويقاتل عنه، هو المسيح بلا ريب ويسير بطائفة أهل المغرب من أفريقية وينزل عند المنارة البيضاء. انطلاقا من الخرطوم، كما أورد الإمام القرطبي في التذكرة  (ويكون على مقدمته صاحب الخرطوم وهو صاحب الناقة الغراء وهو صاحب المهدي وناصر دين الإسلام وولي الله حقا) ومن عظم النبوءة ذكر اسم الخرطوم حرفيا، لتحدد بدقة مكان انطلاق ناصر دين الإسلام، وبلا خلاف هو عيسى ابن مريم الذي يهلك الله في زمانه كل الملل ويبقى الإسلام منصورا على الأديان السماوية بعد أن يفك الحصار عن المهدي المحاصر في المنارة البيضاء شرقي دمشــق - في العراق - وقد كان ذلك التحديد من قبل أن تظهر الخرطوم إلى الوجود على خريطة العالم.


 

الفصل السادس

حصــار العــــراق

قال تعالى: (الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ ). الروم الاية 1 ـ 5.

تقرأ الآية: غُلِبَتِ بضم الغين، وغَلبت بفتحها. وهذا يؤدي إلى اختلاف ظاهر في المعنى. ومرد ذلك إن الروم غُلِبَتِ - بالضم - من قبل على يد الفرس في صدر الإسلام في أدنى الأرض، وفي نفس تلك الأرض غَلبت الروم – بالفتح- من بعد في زماننا الحاضر في حرب الخليج الثانية، وحاصرت العراق، وهم طائفة المسلمين، (وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) بفك الحصار عنهم على أيدي طائفة المغرب التي يقودهـا أميـر أفريقيــة القـادم من المغـرب. راجـع الحديثيـن (17)-(18) إلى جانب الحديث(15) نلاحظ ترابط الأحاديث.

(25) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تصالحون الروم صلحاً آمناً، وتهزمون انتم وهم عدواً من ورائهم فتسلمون وتغنمون ثم تنزلون بمرج ذي تلول فيقوم رجل فيرفع الصليب ويقول: ألا غلب الصليب، فيقوم إليه رجل من المسلمين فيقتله، فعند ذلك تغدر الروم وتكون الملاحم فيجمعون لكم فيأتوكم في ثمانين غاية، مع كل غاية عشرة آلاف) رواه احمد وأبو داوؤد في ملاحم الروم ج(2) رقم 425.

ويلاحظ في هذا الحديث الآتي:

     يجمع الروم الأمم ضد المسلمين، وهو الاستنفار لكل دول العالم الذي قامت به الولايات المتحدة الأمريكية ضد العراق، وعدد جيوش الروم في الحديث ثمانون غاية في كـل غايـة عشـرة آلاف. أي 80Χ10.000 = 800.000 جندي. وقد أوردت مجلة (المشاهد) السياسي التي تصدر باللغة العربية في (بريطانيا) في العدد 52 بتاريخ 15/9/1997م على الصفحة 37: قالت المجلة: (وفي أعلى مستوى لها ضمت قوات التحالف ما يقرب من 800 ألف فرد) مجلة المشاهد.

إن عدد قوات التحالف العالمي ضد العراق في حرب الخليج الثانية هو نفس العدد في الحديث، بالتمام والكمال. ولغة الحساب قولها فيصل، ولذلك فإن حصار العراق يأتي في نهاية المطاف بالنصر للمسلميـن ( وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ ) ولهذا الحصار الاقتصادي الذي يفرضه التحالف الغربي مدلوله من السنة:-

(26) قال صلى الله عليه وسلم: (منعت العراق درهمها وقفيزها) رواه مسلم.

(27) قال احمد حدثنا إسماعيل حدثنا الحريري عن أبي نضرة قال كنا عند جابر فقال: (يوشك العراق أن لا يجيء إليهم دينار ولا مدى! قلنا: من أين ذاك؟ قال:  من قبل الروم يمنعون ذلك. ثم سكت هنيهة. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يكون في آخر أمتي خليفة يحثو المال حثواً ولا يعده عداً) الحديثان (26) و(27) يؤكدان على الحصار الاقتصادي المضروب على العراق. وحديث جابر يوضح إن الذي يقوم بالحصار هم الروم. فتصيبهم من ذلك مجاعة شديدة بعد تجميد أرصدة العراق في البنوك، (حتى لا يجـئ لهم دينار)، وفـي الحديث (15) (حتى أن أحدهم ليحرق وتر قوسه فيأكله) ذلك من الشروط التي وضعتها الأمم المتحدة تحت إملاء الولايات المتحدة الأمريكية، بأن علـى الشعب العراقي إذا أراد الطعام، عليه أن يتخلص من أسلحته التي ترمي من مسافات بعيدة. فهي تطابق تماما وتر القوس في الرماية. ثم أختتم جابر رضي الله عنه الحديث يقول صلى الله عليه وسلم عن الخليفة آخر الزمان الذي يحثو المال حثواً. وقد ربط هذا الخليفة  بحصار العراق ومجاعته، كما ربط الحديث (15) بين مجاعة العراق ونزول عيسى ابن مريم.

ومن هذين الحديثين وأحاديث أخرى، فإنه من المؤكد لا يرفع الحصار الحالي المضروب على العراق إلا عندما يسير أمير أفريقية الأسمر بطائفة المغرب، وينزل في المنارة البيضاء شرقي دمشق.

(28) عن النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل. فلما رجعنا عرف ذلك فينا فقال: (ما شأنكم؟ قلنا: يا رسول الله، ذكرت الدجال غداة، فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل. فقال: غير الدجال اخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم، أنه شاب قطط عينه طافئة، كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن. فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف. إنه خارج خلة بين الشام والعراق. فعاث يميناً وعاث شمالاً، يا عباد الله فاثبتوا قلنا يا رسول الله: ما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوماً، يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم. قلنا يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا اقدروا له قدره. قلنا يا رسول الله: وما إسراعه في الأرض؟قال: كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت زرى وأصبغه ضروعاً وأمده خواصر ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها: اخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل. ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه ويضحك. فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ. فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله، ثم يأتي عيسى قومٌ قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة. فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى عليه السلام أني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء  ويحصر نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم.  فيرغب نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه إلى الله تعالى فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسي كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم. فيرغب نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيراً كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطراً لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة، ثم يقال للأرض أنبتي ثمرك وردي بركتك. فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكلِّ مسلم ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة ) رواه مسلم .

هذا الحديث مع الحديث (14) يكون جامعاً لصفات الدجال المتقدم ذكرها مع بعض الإضافات. وذكر هذا الحديث الصلاة في الأيام الطوال فقال صلى الله عليه وسلم: (اقدروا له قدره)  وهو أن يؤقت سكان المناطق التي تبعد عن المنطقة المدارية مع سكان المناطق المدارية التي تقع معهم في خط طول واحد. ولا يجد الناس أي إشكال في فهم حقيقة الدجال وأيامه وذكر في هذا الحديث نزول عيسى في المنارة البيضاء. فما هي هذه المنارة؟

بغداد المنارة البيضاء:

قال ابن كثير في الفتن والملاحم: (ليست بدمشق منارة تعرف بالشرقية سوى التي شرق الجامع الأموى، وهذا هو الأنسب، لأنه ينزل بها وقد أقيمت الصلاة، فيقول له إمام المسلمين يا روح الله تقدم، فيقول: تقدم أنت فإنها لك أقيمت .. إلى أن قال: وقد ورد في بعض الأحاديث أنه ينزل ببيت المقدس، وفي رواية بالأردن وفي رواية بعسكر المسلمين. وهذا في بعض روايات مسلم).

ونخلص من عرض ابن كثير هذا إلى الآتي:

(أ) ليست هناك منارة بيضاء معروفة بدمشق.

(ب) أنه ليس هنالك جزم بأن أول نزول لعيسى ابن مريم يكون في المنارة البيضاء، بل قد يكون في الأردن أو القدس أو عسكر المسلمين. وهذا يؤدي بدوره إلى احتمال نزوله في مكان آخر كالسودان، وهو الأصح بعد أن تبين أن النزول في المناطق المذكورة في كلام ابن كثير، ليس أول نزول من السماء لتعارضه مع منطق العقل وتعارضه أيضا مع ما هو معلوم من الدين بالضرورة كما بينا في باب الميلاد الثاني للمسيح في هذه النشرة وما يهمنا هو تحديد وتعريف المنارة البيضاء فهي بغداد وليست بدمشق بالأدلة الآتية:

أولاً: سميت بغداد بالمنارة لقول الشاعر:

بغداد يا بلد الرشيد     *   ومنارة المجد التليد

وقال آخر :

ماذا ببغداد من طيب الأفانين  *  ومن منارة للدنيا والدين

ثانياً: أنها شرق دمشق – أنظر الأطلس .

ثالثاً: إن جيشها قاتل العالم الغربي مظهر الدجال. وقد روى النووي عن سلمى بن كفيل عن الزهري عن ابن مسعود قال: (يفترق الناس عند خروج الدجال ثلاث فرق فرقة تتبعه وفرقة تلحق بأرض بها منبت الشيح وفرقة تأخذ بشط الفرات يقاتلهم ويقاتلونه) الفتن لابن كثير 1/156. فالفرقة التي تأخذ بشط الفرات لتقاتل الدجال هي فرقة (صدام حسين) وجنوده الشرفـاء. وجـاء في بعض الروايـات: (قتلاهم شهداء ويفتح الله على بقيتها).

رابعاً: أن إمام المنارة البيضاء. (بغداد) هو المهدي صدام حسين للآتي:

1. قبيل هجوم التحالف الصليبي على صدام حسين في حرب الخليج الثانية، إجتمعت وفود علماء المسلمين وأصحاب الرأي والمشورة من شتى أنحاء العالم الإسلامي وبايعوا صدام إماماً للمسلمين لمواجهة الحـرب الصليبية العالمية بقيادة أمريكا ضد الإسلام. فأصبح العالم فرقتان، فرقة تقاتل باسم الإسلام يقودها صدام حسين. والفرقة الثانية صليبية تقودها أمريكا.

 2. وإمامه صدام هنا ملزمة لأنها بيعة رضوان لم يكره فيها أحد. لأن البيعة تمت له من مسلمي دول تقع خارج نفوذه السياسي. كما أن بيعة كهذه لم تتم لأحد قبله من زمن النبوءة، فهو الإمام الوحيد في العالم الإسلامي بطريقة شرعية. وأي اعتراض على خلافته يعتبر فتنة وخروج عن الجماعة وتفريق لكلمة المسلمين، يقاتل صاحبها حرابة.

ويستغرب كثير من الناس عندما أقول لهم: (إن صدام هو المهدي الذي يحاصره الدجال في المنارة البيضاء شرقي دمشق). فيقولون: كيف يكون رجل بعثي اشتراكي مهدياً؟

 فأقول لهم: إعترض العلماء على مهدية محمد أحمد المهدي السوداني، بحجة أنه نشأ ورعاً وزاهداً تقياً ومتديناً وعابداً متنسكاً، وأن المهدي غير ذلك تمامـاً كمـا روى عن النبي صلى الله عليـه وسلـم بقوله: (المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة) وعلق العلماء على ذلك فقالوا: (ولم يكن قبل كذلك).

أقول: إن تتبع السلوك الشخصي لا يفيد من قليل أو كثير. يقول تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ) فاطر الآية 32. وقد بعث الله تعالى موسى عليه السلام رسولاً في زمانه وهنالك في بني إسرائيل غيره من لم يقتل نفساً. يقول تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ) يوسف الآية 111. نخلص من ذلك كله بأن التحضير قد اكتمل لنزول المسيح في المنارة البيضاء بعد أن أحكم الحصار على المهدي فيها كما تهيأت الظروف لخروجه من السودان من قبل وفق ما بينه الحديث (28) فإن المسيح المهدي يطارد الدجال غرباً مروراً بالأردن حتى يقتله باللد بفلسطين.

إن اكبر خطأ أرتكبه العلماء في حق هذه الأمة هو فهمهم الخاطئ لهذا الحديث، إذ استوحوا من نزول عيسى ابن مريم في المنارة البيضاء على جناحي ملكين، أن الملكين أنزلاه من مكان رفعه عن بني إسرائيل واعتقدوا تبعاً لذلك أنه باقٍ ببشريته ولو تدبر العلماء القرآن لأدركوا هذا الخطأ الفاضح لأن نزول عيسى ابن مريم في المنارة البيضاء أو الشام عامة لا يمهل فيه اليهود، ولا يتوقف للتبليغ والإنذار بل يدخل في الحرب، ويقتل اليهود بعد أداء ركعتي الصبح وهذا يتناقض مع منهج الدين ومخالف لتشريع الله الذي حدد لذلك مراحل هي:

قال تعالى: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) الاسراء الآية 15. وهذا الرسول سواء كان نبياً أو مهدياً لابد أن يبشر من يؤمن به وينذر من خالفه يقول تعالى: ( وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (208) ذِكـْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ ) الشعراء الآية 208 – 209 . وإذا أخذنا في الاعتبار أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخطر اليهود بعودة المسيح في الحديث رقم   (8) فلابد للمسيح أن يعلمهم بعودته ، وذلك لا يتم في نزول الشام لانه ينزل ليلا وبعد الصلاة يبدأ في قتل اليهود ولو تم هذا لاحتج اليهود على المسيح بقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِـهِ – )أي قبل الأنذار – ( لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَـا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ) طه الآية 134. ولكن المسيح المهدي لن يقع في هذا الخطأ الشنيع بل يتبع تشريع الله في قوله تعالى: ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا ) بتكذيبهم لعيسى عندما يأتي بالإسلام لاعتقادهم أنه يأتيهم بالتوراة (فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) الإسراء الآية 16. وفترة التبليغ هذه هي التي تكون في السودان كما أسلفنا.

 

الفصل السابع

حصــار الأردن

ورد في الحديث الوارد في الفقرة (15): (ينحاز المسلمون إلى عقبة أفيق) وهي بالأردن ، وهذا الحديث أيضا يؤكده:

(29) عن ابن عباس قال: (لا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى ابن مريم على ذروة أفيق بيده حربة، يقتل الدجال) كنز العمال ج (15) حديث رقم 39725 وعقبة أفيق بالضفة الشرقية لنهر الأردن.

(30) عن نهيك بن ضريم قال: قال رسـول الله  صلى الله عليه وسلم: (لتقاتلن المشركين حتى تقاتل بقيتكم الدجال على نهر الأردن انتم شرقيه وهم غربيه) الهيتمي مجمع الزوائد ج (7) ص 349. هذا هو خط النار الذي رسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ زمن النبوة بين المسلمين والدجال الذي اكثر تبعه اليهود، بل هم جنوده كما سيبين لنا ذلك الحديث(32) عن حصار بيت المقدس. فاليهود تحت قيادة الدجال يحاصرون المسلمين في الضفة الشرقية لاحتلالهم الضفة الغربية لنهر الأردن، وحصارهم في شرقه، وفيه تقع عقبة أفيق التي ينزل عليها المسيح. وبما أن ذلك كائن الآن، فقد بات من المؤكد أن الذي يفك الحصار عن الأردن الحالي هو عيسى ابن مريم بعد أن يخرج من السودان ويأتي إلى المنارة البيضاء من قبل المغرب ثم يغير مساره لمطاردة الدجال، ثم ينزل في عقبة أفيق قادما من المشرق.

(31) قال صلى الله عليه وسلم: (ثم يجئ عيسى ابن مريم من المشرق مصدقا بمحمد وعلى ملته ثم يقتل الدجال) أخرجه الطبراني.

هذا الحديث يؤكد أن المنارة البيضاء هي بغداد وإذا سار عيسى ابن مريم من بغداد إلي عقبة أفيق سيجيء إليها من قبل المشرق موافقاً لنص الحديث، ولو جاء عقبة أفيق من دمشق لجاء من الشمال ولم يرد بذلك نص فعقبة أفيق جنوب دمشق (انظر الخريطة ) فالمنارة بغداد وليست دمشق. وبما أن المسيح عيسى ابن مريم ينزل في بيت المقدس لملاحقة الدجال فعقبة أفيق شرق القدس، بعدها يقاتل اليهود على الضفة الغربية لنهر الأردن.

 

الفصل الثامن

حصــار القـدس

قال تعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ) الاسراء الآية 4-8. وقال تعالـى: ( وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا ) الاسراء الآية 104.

الآية(4) تتكلم عن فساد بنى إسرائيل وعلوهم في الأرض وان ذلك يحدث مرتين والآية (5) ذكرت أن الفساد الأول الذي وقع في الماضي وأرسل الله إليهم نبوخز نصر وجنوده  فجاسوا خلال ديار اليهود ودمروا القدس واسروا اليهود واقتادوهم إلى بابل أو في صدر الإسلام من الآية(104) قال الله تعالي لهم بعد الأسر البابلي والفساد الأول (اسْكُنُوا الْأَرْضَ ) أي تفرقوا فيها  فإذا جاء فسادكم في المرة الآخرة، أي الثانية والأخيرة بعد فساد الأولى، جئنا بكم من أرض الشتات إلى الأرض المقدسة في صورة هجرات جماعية منظمة بعد وعد بلفور لفيفاً (واللفيف في اللغة يعني الجماعة).  وهي تصف عودة اليهود الفلاشا المنظمة من الحبشة عبر السودان وعودة اليهود من روسيا إلى الأرض المقدسة.

الآية (5): ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ ) الكرة معناها الغلبة في الحرب من الكر. (عليهم) أي علـى المسلمين تحت الانتداب البريطاني. وتوالت إنتصاراتهم على المسلمين منذ عام 1948 وحتى الآن!!.

 وجعل لهذه العودة (الكرة) علامات وهي:

1) (وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ) فإسرائيل الآن تعتمد على مدد الأموال التي تأتيها من المعونات المجانية من الولايات المتحدة الأمريكية وتعويضات الحرب النازية.

2) (وَبَنِينَ ) بتكاثر أعدادهم  إلى جانب أن هنالك قوات أمريكية تقاتل إلى جانبهم كما حدث في حرب اكتوبر 1973م. (وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا) النفير يعنى النصرة في الحرب لقوله (وَمَا كَـانَ الْمـُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً.. ) التوبة الآية 122. فالعالم  يهب لنصرة اليهود على المسلمين، كمساعدة الروس لليهود بالسلاح التشيكي في عام 1948م، وأن بريطانيا صاحبة الدعم الأكبر لبناء دولة اليهود والولايات المتحدة الأمريكية التي تمدها بالأسلحة، والتي تدخل المعركة إلى جانبها مباشرة بعتادها وجنودها، والدعم الذي قدمته ألمانيا لليهود وحماية ظلمهم بالفيتو الأمريكي.

3) الآية (7) فيها تحذير لليهود من الفساد في المرة الآخرة ( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ) ولكن لم يحدث ذلك  (وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ) أي عليها ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ ) أي فسادكم للمرة الآخرة، أي الثانية والأخيرة، وهي الآن كائنة بعدما استوفت شروطها في الآيات السابقة. والنتيجـة الحتميـة هـي  ( لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ) أي المسلمين يتغلبون عليكم في الحرب الوشيكة. ( وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) في عهـد عمـر بن الخطـاب رضى الله عنــه، وليتبروا – ليدمروا- المستوطنات اليهودية تدميرا. وهذه هي الخطوة الوحيدة المتبقية قيد التنفيذ. ولن تتم هذه الخطوة إلا بقيادة المسيح عيسى ابن مريم. والحديث الآتي يبين ذلك.

(32) عن أبي أمامه الباهلي قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان من قوله أن قال: (إنه لم تكن فتنه في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم اعظم من فتنه الدجال وإن الله لم يبعث نبياً إلا حذر أمته الدجال وأنا آخر الأنبياء وانتم آخر الأمم. وهو خارج فيكم لا محالة.. وأنه لا يبقى شئ من الأرض إلا وطئه وظهر عليه إلا مكة والمدينة.. قالت أم شريك بنت أبي العكر، يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال: العرب يومئذ قليل وجلهم ببيت المقدس وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلى بهم الصبح إذ نزل عيسى ابن مريم الصبح فيرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقري ليقدم عيسى يصلي، فيضع عيسى عليه السلام يده بين كتفيه ثم يقول له: تقدم فصل فإنها لك أقيمت، فيصلى بهم إمامهم. فإذا انصرف، قال عيسى عليه السلام افتحوا الباب، فيفتح وراءه الدجال ومعه سبعون ألف من اليهود كلهم ذو سيف محلي وساج، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء وينطلق هاربا ويقول عيسى إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها، فيدركه عند باب اللد الشرقي فيقتله، فيهزم الله اليهود فلا يبقى شيئ مما خلق الله يتوارى به يهودي إلا انطق الله ذلك الشي، لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة إلا الغرقدة فإنها من شجرهم لا تنطق إلا قال: يا عبد الله المسلم هذا يهودي فتعال اقتله.. فيكون عيسى ابن مريم في أمتي حكماً عدلًا وإماماً مقسطاً يدق الصليب ويذبح الخنزير ويضع الجزية.. وتضع الحرب أوزارها) رواه ابن ماجه وإسناده قوي واللفظ له، وساق أبى داوؤد سنده وهو سند صحيح وصححه ابن خزيمة ورواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط مسلم واقره الذهبي وأورده الحافظ بن حجر في فتح الباري جملاً منه فهو عنده صحيح أو حسن.

أولاً: إن هذا الحديث يصف لنا بدقة الحالة التي يعيشها المسلمون داخل بيت المقدس فإن الجنود الإسرائيليون اليهود اليوم يمسكون بأبواب بيت المقدس، وكل ذو سيف وساج. والساج هو الخوذة الفولاذية التي يلبسها اليهود على رؤوسهم  لتقيهم من الحجارة والرصاص، وذكر أن إمامهم رجل صالح ولم يقل المهدي وهذا لا ينافي أن يكون الرجل الصالح المعني هو إمامهم الحالي: فلو نزل عيسى ابن مريم اليوم في بيت المقدس وبعد الصلاة فتحوا الباب لشاهدوا نفس المنظر الذي صوره هذا الحديث. وفي هذا تأكيد بأننا الآن نعيش زمن المسيح المهدي، كما عشنا أيام المسيح الدجال الطوال منها والقصار في الحديثين (14) (28).

ثانياً: إن عودة اليهود واحتلالهـم للقدس الشرقية واتخاذها عاصمة لهم، وبناء على توضيح هذا الحديث وشرحه للآية (7) من سورة الإسراء، فإن الخطوة المتبقية في تحقيق نبوءة القرآن بدخول المسلمين للمسجد الأقصى وتتبير اليهود وتدميرهم لا تتم إلا على يد عيسى إبن مريم والذي بينت الأحاديث والآيات خط سيره من السودان إلى العراق ومنها إلى عقبة أفيق بالأردن ثم عبر نهر الأردن إلى بيت المقدس، بعد أن يكون قد ولد مرة ثانية في السودان، ولا يستطيع أي عالم أن يقدم أو يؤخر في هذا شيئاً. وهذا ذكر من معي من حقائق ظاهرة للعيان وذكر من قبلي من كتاب الله وسنة رسوله، يصدقني فيما أقول وأدعي. وعليه فأكون أنا سليمان أبو القاسم موسى إمام المسلمين اليوم بنص هذه الآية  (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ) النساء الآية 83. فقد جاء الناس أمر الخوف منذ مطلع القرن العشرين بعد صدور وعد بلفور في عام 1917م, وإنشاء دولة اليهود عام 1948م إلى اليوم، ولم يستنبط أحد من العلماء القدامى والحديثين من القرآن والسنة، خلاص المسلمين بالكيفية التي بينتها للناس. وقد إعترف لي العامة والخاصة بأنني صححت للناس عقيدتهم الخاطئة باعتقادهم أن عيسى ابن مريم باق بجسده في السماء بشراً سوياً بعد أن تأكد لهم مخالفة الاعتقاد للنصوص الصريحة من الكتاب والسنة، وهذا التصحيح وحده يكفي لإثبات أني المجدد لهذا القرن ومنقذ الناس من فساد العقيدة، ولا عبادة لمن فسدت عقيدته.

الآية (8) من سورة الإسراء تقول لبني إسرائيل: ( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ )، وإن ذلك كائن فبعد قضاء المسلمين عليهم في القدس، فإن اليهود في الخارج سوف يقومون بتحريض يأجوج ومأجوج على المسلمين فيلتفون حولهم كما بيـن الحـديث (28) ( ويبعث الله يأجوج ومأجوج)، ولكن الله يقضي عليهم بدعاء عيسى وأصحابه كما بين الحديث (28) وهو ما يشير إليه قوله تعالى  (وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ) فأهلكناكم ويأجوج ومأجوج. وسنفرد لهم الفصل الآتي:

 

الفصل التاسع

يأجـوج ومـأجوج

قال تعالى في قصة ذي القرنين: ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ) الكهف الآيات 93-97. يروى لنا التاريخ إن هذا السد أقيم في السلسلة الجبلية التي تفصل تركيا والشرق الأوسط من جهة والشرق الأقصى من الجهة الأخرى. ولما كان يأجوج ومأجوج هم أبناء عمومة الأتراك، فهم يقيمون غرب هذا السد. وإن الذين طالبوا بالسد يقيمون شرقه. وعلى طرفه الشرقي تقع القبائل السامية.

(33) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولد لنوح ثلاث: سام وحام ويافث. فسام أبو العرب، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك ويأجوج ومأجوج) رواه أحمد وذكره ابن كثير في البداية والنهاية ج (2) ص 110.

ومن سياق قوله تعالى  (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ) أي ما استطاعوا أن يتسلقوه ويصلوا إلى ظهره وينزلوا إلى طرفه الشرقي، ( وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ) أي لم يستطيعوا أن ينحتوا فيه نفقا فيخترقوه وينفذوا إلى الطرف الشرقي. فهم شعب يعيش على ظهر الأرض وليس في باطنها كما يعتقد من لا عقل له. ومن النظرة الأولى دون اجتهاد عقلي نعرف أن يأجوج ومأجوج هم الأمم الأوربية للأسباب التالية:

  أولاً: هم أبناء عمومة الأتراك كما وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق.

ثانياً: لما رأى الأوربيون أن سلسلة الجبال التي أقام فيها  ذو القرنين السد، تعرقل الطريق التجاري الذي يصل أوربا بالهند الغنية بالعطور والموارد التجارية حاولوا الوصول إلى الهند عن طريق السير إليها غرباً بعد اكتشاف كروية الأرض تفاديا لاعتراض السد طريق التجارة.  وهو ما يدل عليه قوله تعالى  (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ).

ثالثاً: السير غرباً أدى إلى اكتشاف العالم الجديد، مما يدل على أن سبب خروج الأمم الأوربية في الإبحار غرباً هو الوصول إلى الهند التي تقع شرق السد. واعتقادهم عند وصولهم لأول أرض من جهة الغرب أنها الهند فسموها جزر الهند الغربية. وسموا سكانها الهنود الحمر ثم واصلوا رحلاتهم حتى وصلوا إلى الهند من جهة المشرق بالدوران حول الأرض. هذا الاكتشاف بدوره أدى إلى نتيجتين هما:

الأولى: عدم جدوى السد في الحجز بين يأجوج ومأجوج والبلاد التي شرقه. وإلى هذا يشير قوله تعالى: ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ) الكهف الآية 98.

والثانية: نشطت أوربا من عقالها بعد الحجز، واكتسحت العالم واستعمرت كل الأرض. وفي هذا قال تعالى: ( حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ) الأنبياء الآية 96. والحدب هو المكان المرتفع. وسميت الأرض حدبا لأنها تعلو وتبرز فوق سطح الماء مما يؤكد صدق قول الحديث الآتي:

(34) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد.. -إلى قوله-... فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع وعليها كهينة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء ) رواه أحمد. ابن كثير ج 2 ص 112 البداية والنهاية. لقد قهرت أوربا أهل الأرض. ولا أحد ينكر ذلك وأرسلوا سهامهم (السفن الفضائية) وغزوا الفضاء والحكمة أن سموه (غزو الفضاء) وليس اكتشاف الفضاء ليكون مطابقاً للحديث للتأكيد على إنهم هم يأجوج ومأجوج، لأنه لا يغزو السماء غيرهم. ولما كانت الأمة الأوربية قد طغت بثقافتها على كل الشعوب الأخرى وطمست هوياتها، وأصبغ سكان الأرض جميعاً بصبغة يأجوج ومأجوج، فإن هذه الأمة كلها بما فيها من عرب وزنوج وفرس وشرقيين أمة واحدة هي أمة يأجوج ومأجوج، أمة آخر الزمان. فمن تشبه بقوم فهو منهم يقول تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) النساء الآية 115. ولما تشبه المسلمون اليوم بالأمة الأوربية فهم تبع ليأجوج ومأجوج:

وصف القرآن الكريم يأجوج ومأجوج بالفساد في الأرض لأسباب كثيرة، نذكر منها سببين رئيسيين هما ـبرز نتاج يأجوج ومأجوج ومظهر فسادهما:

1/ الدجال وتقدم وصفه في فصل سابق.

2/ الديمقراطية .. سبق أنْ ذكرت، أنَّ الديمقراطية هي دين يأجوج ومأجوج. وهم يطرحونها الآن في الساحة لتحكم الناس بدلاً عن الأديان السماوية، لأن شرائعها على حسب اعتقادهم، تخالف حقوق الإنسان وتحد من حريته. يقول تعالى: ( وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) المائدة الآية 47. فالفسوق هو عدم الإنصياع لطاعة الله مع إظهار نوع من التحدي والإتيان ببعض ما يراه من مبررات، كتبرير إبليس لموقفه من عدم السجود لآدم قال: ( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) سورة ص الآية 76. هذا هو التبرير الذي تستخدمه الأمم الأوربية، التي تعتبر أنه لو لا تخلصها من قيود تعاليم الأديان لما وصلت لهذا الرقي الحضاري، فإنقطع مددها الروحي. وأنكفأت على المادة، وعبدت العقل، وجعلت غاية ما تحققه هو إرضاء شهوات النفس، وهي الجنة التي تصبو إليها، فألهت بذلك المادة وجعلت نفسها رسولا يرشد الخلق ليحقق الرفاهية المادية في هذه الحياة الدنيا محط أنظارهم ومبلغ غايتهم. وهي الوثنية في أسوأ مقاصدها، وقد صدق الله حين قال بأنهم مفسدون في الأرض وقد فعلوا، بل الوثنية والمجوسية لا تخلو من قيم ومثل والديانة الجديدة إباحية تهدم المثل والقيم وتنحط إلى درجة البهيمية باسم الحرية وتحقيق متعة الإنسان ولا يتم لهم ذلك إلا بالتخلي عن الأديان السماوية التي تحرم ذلك وتمنعه. وللإسلام وقفة في وجه الضلال، يملأ فيها الأرض عدلاً ويسود السلام والإسلام في عهد المسيح المهدي. وبعد قبضه وقبض روح كل مسلم ومؤمن يؤول الأمر إلى يأجوج ومأجوج بعد رفع الإسلام. ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة. والأوربيون هم يأجوج ومأجوج للآتي:

     أ/ تمتلك الدول الأوربية أسلحة الدمار الشامل. فقادة العالم الأوربي الآن باستطاعتهم إفناء الحياة تماماً من على ظهر الأرض. مما لا يدع مجالا للشك أننا نعيش في آخر الزمان مادام دماره أصبح في أيدي الناس.

ب/ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تقوم الساعـة والروم اكثر الناس) رواه مسلم. فالروم مواطنو أوربا وبما أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الناس. والشر دائماً مرتبط بالفساد والعدوان. فإن الروم هم شرار الناس الذين تقوم عليهم الساعة. أي هم يأجوج ومأجوج الذين وصفهم القرآن الكريم بأنهم مفسدون في الأرض، الذين يتهارجون فيها تهارج الحمر بإلاباحية الجنسية البهيمية، فعليهم تقوم الساعة بعد قبض أرواح المؤمنين كما ورد في الحديث رقم (28) وهم فرقة المؤمنين الناجية ولهم نفرد الفصل التالي

 

الفصل العاشر

الفرقــة الناجــية

(35) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(افترقت اليهود على إحدي وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وسبعون في النار، واقترفت النصارى على اثنين وسبعون فرقة، فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة. والذي نفسي بيده لتفترقن أمتي على ثلاثة وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة واثنان وسبعون في النار) [رواه ابن ابي الدنيا]، ورواه أبو داؤد والترمذي والحاكم وابن حبان وصححه عن ابي هريرة بلفظ  (افترقت اليهود إحدى وسبعين  أو اثنين وسبعين فرقة، والنصارى كذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله.قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي). هذه الفرقة تتواصل مع التجديد إلى زمن عيسى ابن مريم.

(36) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن في الخلق ثلاثمائة قلوبهم على قلب آدم ولله في الخلق أربعون قلوبهم على قلب موسى ولله سبعه في الخلق قلوبهم على قلب إبراهيم، ولله في الخلق خمسة قلوبهم على قلب جبريل، ولله في خلق ثلاثة قلوبهم على قلب ميكائيل ولله في الخلق واحد قلبه على قلب اسرافيل فإذا مات الواحد ابدل الله مكانه من الثلاثة. وإن مات من الثلاثة أبدل الله مكانه من الخمسة. وإذا مات من الخمسة أبدل الله مكانه من السبعة وإذا مات من السبعة أبدل الله مكانه من الأربعين. وإذا مات من الأربعين أبدل الله مكانه من الثلاثمائة وإذا مات من الثلاثمائة أبدل الله مكانه من العامة. فبهم يحي ويميت ويمطر وينبت ويدفع البلاء) رواه ابو نعيم عن ابن مسعود. وفي رواية لحديث الأبدال للإمام أحمد (ويسقي بهم الغيث وينتصر بهم على الأعداء ويصرف بهم عن أهل الشام البلاء

فأقول: وأي عدو ألد وأي بلاء أشد على أهل الشام من احتلال اليهود الحالي للشام؟ ولا خلاص لهم إلا بهذه الطائفة وهي إسلامية وليست قومية عربية ولا اشتراكية ولا احزاب ديمقراطية، وإمام هذه الطائفة في كل قرن هو خليفة الله في الأرض. وغوث زمانه ومجدد الدين. فهم على أقدام أولي العزم من الرسـل قال صلى الله عليه وسـلم: (يكون في هذه الأمة أربعة على خلق إبراهيم وسبعة على خلق موسى وثلاثة على خلق عيسى وواحد على خلق محمد) وقد بينهم القـرآن في قولـه تعالـى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ) النساء الآية 69. ولما ختمت النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم فإن غوث زمانه ومجدد قرنه يقوم مقامه في خلافة الله إماماً وخليفة راشداً وهو صاحب سنة تتبع. قال صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشـدين المهديين من بعدي عضو عليها بالنواجذ).

هذا أمر صريح من الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن قال أنا متبع لله ورسوله وغير ملزم باتباع من أثبت انه مجدد،

فأقول: إن قوله مردود بقول الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه، فتكون مخالفة مجدد كل قرن تخرج المخالف من الملة بنص الحديث الأتي:

(37) قال صلى الله عليه وسلم: (تحشرون حفاة غرلاً. ثم تلي: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ). فأول الخلق يكسى إبراهيم، ثم يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال. فأقول: أصحابي، فيقال: إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم. فأقول: كما قال العبد الصالح عيسى ابن مريم (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) اخرجه البخارى.

ومن أراد أن يطيع الله فليتبع الرسول، ومن أراد أن يطيع الرسول فليتبع إمام زمانه. فالغوث ومجدد القرن خليفة لله وخليفة لرسوله. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (أمتي إلى مائة سنة) وقد روى البخاري قوله صلى الله عليه وسلم: (خير أمتي قرني). ومن لم يشهد قرنه صلى الله عليه وسلم لا يربطه بالأمة المحمدية إلا إتباع ذلك الوارث المحمدي الذي هو مجدد قرنه. وعند ذلك يكون مع الذين أنعم الله عليهم من الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. والشهداء في هذه الآية ليسوا شهداء الحرب، بل أصحاب الكشف الرباني الذين يفتح الله بصيرتهم، فيشاهدون بالفتح الرباني والكشف مقام وخصوصية النبي أو غوث زمانه عند الله.  فهم الذين يشهدون للأنبياء على إبلاغهم الرسالات يوم ينصب الله الميزان للحساب. يقول تعالى: (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) الزمر الآية 69. وقد بين القرآن مرتبتهم الإيمانيـة في قولـه تعـالـى: (وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ) الحديد الآية 19. وبينهم الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن قتادة عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أْحداً وأبو بكر وعمر وعثمان، فـرجف بهـم فقـال: (أثبت أْحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان). إن فئته صلى الله عليه وسلم  تتكرر في فئة  عيسى آخر الزمان، وهم الأقوام الذين يدركون المسيح من هذه الأمة وهم مثل الصحابة أو خير منهم ثلاث مرات. وهؤلاء هم الذين يجمعون مراتب الدين كلها (الإسلام والإيمان والإحسان) بالعقول جميعا: العقل والقلب والفؤاد التي يشير إليها القرآن بـ(السمع والبصر والفؤاد) وهذه المراتب الدينية هي جوهر هذه الدعوة وأهم من الانتصار على اليهود ويأجوج ومأجوج، لأنها أصل محجة الطريق إلى الله. والله تعالى يقول: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) الذاريات الآية 56. فكل مخلوق مكون من ذات وروح ونفس. ولكل واحدة من هذه عقلها الخاص وتكتسب به معارفها. فعقل الذات الفؤاد ويتم إدراكه بالرؤيا كقوله تعالى: ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) النجم الآية 11. وعقل الروح القلب ويتم إدراكه بالبصر كقوله تعالى: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى) النجم الآية 17. وعقل النفس الفكر ويتم عبر الحواس الظاهرية: السمع والنظر والشم والذوق والحس. ولما كان السمع هو أنشط هذه الحواس في مرتبة الفكر، إستخدمه القرآن نيابة عن باقي الحواس الأربع، لأن تحصيل العلوم الفكرية بواسطة السمع اعظم من تحصيلها بأي من الحواس الباقية، فالسميع الكفيف يستطيع أن ينبغ في علوم كثيرة. في حين قلما نجد أصماً بصيراً نابغة في مجال العلم، ولا يعدم الدهر فلتاته، ولكن العبرة بالأعم. وجمعت هذه المراتب في قوله تعالـى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) النحل الآية 78. وقال: ( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ) الاسراء الآية 36 . فالسمع خاص بالعلوم في مرتبة الإسلام، والبصر خاص بالعلوم في مرتبة الإيمان، والفؤاد خاص بالعلوم في مرتبة الإحسان. وتفصيل هذه المراتب كما يلي:

1- الإسلام: على الرغم من أن العقل يشمل كل مراتب العلم الثلاثة إلا أن العلوم الظاهرية استأثرت به دون غيرها كما استأثر السمع بالفكر دون غيره من الحواس ولذلك تعتبر العلوم في مرتبة السمع علوم عقلية، وسميت بذلك من العقال الذي يحد من حرية حركة البعير، لأن الحواس الخمس لها مدى معين محبوسة فيه، فهي تدرك الماديات ومقيدة بها، وليس لها في ما ورائها إدراك.

وحظ الإنسان من الدين في هذه المرتبة من العلوم الظاهرية، وصاحب هذا المقام من الأنبيـاء موسى عليه السلام، وهو مقام النفس، ومنه أرسل موسى. قال تعالى: (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ) طه الآية 41. ولما كانت وسيلة تحصيل العلم بالسمع، كلم الله موسى تكليما، وسمع كلام الحق عز وجل بأذني رأسه ولم يوح إليه التوراة وحيا قلبياً، لأن مرتبته ليست مرتبة قلب، ولكن عقلية ظاهرية، وسلمت له التوراة مكتوبة بيد القدرة الإلهية في ألواح مجسمة يراها بعيني رأسه. ولما كان هنالك أوليـاء على أقدام الأنبياء، كما مر في الحديث فإن صاحب القدم الموسوي في المقام المحمدي هو محمد بن عبد الوهاب. وكل الآيات القرآنية التي تخاطب المسلمين تخص هؤلاء. قال تعالى: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) فصلت الآية33. واستخدم كلمة (قول) التي تدرك بحاسة السمع، وأصحاب هذه المرتبة لهم إشكال حقيقي في معرفة الله سبحانه وتعالى، لأن غاية معارفهم هي المحسوسات المادية المجسمة والله خلاف ذلك، ولكن تنزل الله سبحانه وتعالى إلى مستوى إدراكهم بالصفات التي يعرفونها. وهذا بدوره أحدث لهم إشكالاً وفتنة، بإعتبار أن هذه الصفات لا يتصف بها إلا شئ مجسم. بمواصفات معينة، فمنهم من أنكر هذه الصفات جملة واحدة، باعتبار تعلقها بالمجسمات المادية، والله خلاف ذلك. ومنهم من وقف بين بين، وهؤلاء لما يتجلى لهم الله يوم القيامة بذاته يتعوذون منه، لأنهم لا يعرفون الله بذاته، وعندما يتجلى لهم بصفاته يعرفونه. فهم يعرفون صفات الله ولا يعرفون ذاته. ولا يعاب عليهم ذلك، لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولا تسع أنفسهم أكثر من معرفة صفاته في أسمائه الحسنى. وأهل هذه المرتبة هم المخيرون من هذه الأمة، يخاطبهم قوله تعالى: ( فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) الإنسان الآية 29. فيحاسبهم الله تبعا لذلك على أعمالهم فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وأصحاب الخصوصية في هذا المقام هم أحبار هذه الأمة وعلماؤها ولولاهم لضاعت أصول الدين والتشريع.

2- الإيمان: قال الله تعالى: (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) المجادلة الآية 23. وهذه هي مرتبة الروح والعلوم القلبية ما وراء المادة، ولا تجد الروح مجالاً للإنطلاق في المعارف إلا إذا قتلت شهوات النفس التي هي الطاقة الممدة لنشاط العقل، فتسكن النفس ويذهل العقل، فيحصـل تجميــد لنشـاط الحـواس الظاهرية، فتفلت الروح من قيود العقل وتسبح في اللا محسوس ما وراء العقل، فيخرج الإنسان من حسه الظاهري، ويذهل عمن حوله فيتلقى العلوم القلبية الروحية وهو الذهول الذي يحدث للرسول صلى الله عليه وسلم ساعة نزول الوحي على قلبه حتى قالوا (  يَاَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ) الحجر الآية6. ولذلك سمى القرآن في هذه المرحلة روحاً وجبريل روحاً وهذه هي مرتبة عيسى ابن مريم في الأنبياء وهو سر تسميته روح الله. قال تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) الشعـراء الآيـة 193-194. وقـــال: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ) الشورى الآية 52. فهذه المرتبة هي مرتبة الجذب عند الصوفية ويكثر فيها ادعاء العيسوية، عند ما يحدث لهم الجذب، وصاحب المرتبة العليا من الصوفية في هذا المقام هو الشيخ أحمد التجاني رضي الله عنه، وأن أصحاب هذه المرتبة يبصرون الله بلا كيف ولا أين، بل يكون علمهم به روحياً خارجاً عن نطاق حسهم الظاهري، ويكون ذلك بإرادة الله المحضة. فهم مسيرون لسلب إرادتهم. ويدركون مشيئة الله المباشرة في حركاتهم وسكناتهم. فهم المعنيون بقوله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) الإنسان الآية30. فهؤلاء يبدل الله سيئاتهم حسنات، لأنهم غير مسؤولين عن تصرفاتهم. يقول الشيخ إبراهيم الكولخي رضي الله عنه في هذا المقام: (مرادي مراد الحق والعبد كالقلم) أي بيد الكاتب يفعل به ما يشاء. وهذا ما فعله العبد الصالح مع موسى عليه السلام. فلما أراد الله لموسى أن يتجاوز مرتبة النفس والعلوم الظاهرية إلى مرتبة الروح والعلوم الباطنية، أرشده إلى العبد الصالح ليربيه تربية روحية باطنية. وعمل عملاً يعاقب عليه الله كقتل النفس، ولكنه شرح لموسى عليه السلام ذلك بقوله: ( وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ) الكهف الآية 82. فحدث لموسى التحقيق بأن هذا العبد ينفذ المشيئة الربانية بعد أن سلب الله مشيئته الذاتية. فهم الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات. وبهذا نعرف سر الخلاف بين الصوفية والسلفية وما يحدث بينهم من مصادمات ووصف السلفية للصوفية بالخروج على الملة، باعتبار أنهم يخرقون الشريعة  خرقاً منكراً. وهذا المقام بينه لنا القرآن في حادث المعراج بقوله تعالى: ( وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) النجم الآية 13-18. ( مَا زَاغَ الْبَصَرُ ) لم يرجع إلى العقل فيدرك بحسه الظاهري ويرى بعين النظر من مرتبة النفس، (فزاغ) تعني خنس ورجع. و (وَمَا طَغَى ) ولم يتجاوز حد البصر ومرتبة الروح إلى مرتبة الفؤاد والرؤيا. أي لم يحدث إشتراك لقناتين من قنوات المعرفة، بأن يشترك العقل مع القلب. أو القلب مع الفؤاد. ولو حدث ذلك لوقع تشويش كل على الآخر. وهذا ما أشار إليه بقوله تعالـى: ( مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) الأحزاب الآية 4. وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك في حديث المعراج لابن عباس. قال: (فقال لي سبحانه وتعالى هل تراني بعينك؟ قلت سبحانك لا تدركك الأبصار ولا تحويك الأقطار ولا يغيرك الليل والنهار وأنت الواحد القهار إلهي وسيدي غشى بصري نورك وبهاؤك. وجلالك، فلا أراك إلا ببصري)الإسراء والمعراج لابن عباس. أي أن الله  في هذه المرتبة  يسلب إرادة العبد ويتصرف العبد بإرادة الله تماماً كأجهزة التحكم من بعد. فهم الربانيون الذين ذكروا في القرآن بقوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِـيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) آل عمران الآية 146. فهم ينتصرون على الأعداء بالمشيئة الربانية التي تحركهم قال تعالى: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) الأنفال الآية 17. وفي الحديث القدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلى عبدي بشي أحب إلى مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) رواه البخاري. ولن يصل هذه المرتبة أحد إلا باتباع غوث زمانه، ويقوم الغوث بتربيتهم بالعلوم الربانية بتلمذتهم واستقائهم المدد الرباني عن طريقه، وهو البرزخ الممد لكل الأولياء في الأرض ومنه يستمدون ولايتهم. وإذا خالفه أحد سلب كما سلب السامري. وقال تعالى عن سلبه: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) الأعراف الآية 175.                      

ولم يرد ذكر الغوث صراحة إلا لعيسى ابن مريم في السنة، فهو أخص بها عما سواه. راجع الحديث (15) في قوله (أتاكم الغــوث .. إلى ينزل عيسى ابن مريم)

3- الإحسان: ذكر الله الفؤاد بقوله تعالى: ( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَاد.. )) الإسراء 36 . ولما تجاوز رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتبة البصر إلى الفؤاد، تخلف عنه جبريل في مرتبة البصر. وهي مرتبة الروح مقام جبريل والملائكة. واندفع محمد صلى الله عليه وسلم بالجذب الرباني وزج به في مرتبة الفؤاد وقال تعالـى في هذا المقام: ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبـْدِهِ مـَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) النجم الآية 8-11. وقد صورت السنة هذا المشهد بقوله صلى الله عليه وسلم: (فدنوت من ربي حتى صرت منه قاب قوسين أو أدنى، فوضع سبحانه وتعالى يده بين كتفي، ولم تكن يد الله محسوسة كيد المخلوقين. بل يد قدرة وإرادة، فوجدت بردها في كبدي، فذهب عني ما كنت أجـده وأورثنـي علم الأولين والآخرين، وملئت فرحاً وسروراً فأخذنـي عند ذلك الثبـات والسكون، فظننت إن من في السماوات والأرض قد ماتوا إلا أنا، لا اسمـع حسـاً ولا حركة، ثـم رجـع إليَّ عقلي، فتفكرت فيما أنا فيه) الإسراء والمعراج لإبن عباس. فلو لم يخرج الرسول صلى الله عليه وسلم من حسه الظاهري لما أدرك يد الله الغير محسوسة فالحواس لا تدرك إلا المحسوس. فكل يعمل على شاكلتـه. وعن خروجـه من حسـه قوله (فأخذني عن ذلك الثبات والسكون .. إلى قوله .. ثم رجع إليَّ عقلي) وهذه اللحظة هي التي تعرف عند الصوفية بلحظة (الفناء) عندما تتجلى الذات للعبد. وقد قال محمد فتحا السوسي أن الشيخ التجاني قال: (إذا رحم الله عبدا من عباده بسماع كلامه فإنه يزيل عنه الحجاب ويخطفه عن حسه حتى يغيب عن كل شيئ وتغيب عنه حتى ذاته، ولا يـدري أين هو في ذلك الحال، ثم يسمعه الله من كلامه ما قسم له من غير حرف ولا صوت، ثم يرده إلى الحجاب فيرجع إلى حسه وحاله الأول، ثم يسمع ايضاً كلاماً في عوالمه اللطيفة التي هي مراتب الروح من السر والخفاء  والإخفاء وسر السر، فيغيب أيضاً غيبة مثل الأولى حتى لا يشعر بشيء من الكون حتى ذاته، ثم يرد إلى حسه ويصحى من غيبته فيجد عنده كلاماً في سره فيعلم جميع ما شاهده في الحالتين. فعند ذلك يعبر عنه بما أراد) الدرة الخريدة الجزء(1) الصفحة 103.وقولـه: (ثم رجع إليَّ عقلي فتفكرت) يعني رجع بعد غياب. وهذا هو ما حدث لموسى عليـه السلام قال الله تعالـى: ( وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) الأعراف الآية 143. فقد طلب موسى عليه السلام، أن يرى الحق عز وجل بحاسة النظر كما سمع كلامه بحاسة السمع من مرتبة النفس. بوعيه وعقله. ولم يكن له ذلك. ولما ذهل موسى وذهب عقله وخرج عن حسه، رأى ربه من مرتبه الفؤاد بالرؤيا، كما في قوله تعالى: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) وعندما أفاق قال: ( أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ). فإيمانه كان نتيجة الرؤيا، وهي مرتبة الإسلام النهائي والإحسان. قال الله تعالـى في هـذا المقام: ( وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ )النساء الآية 125.

ونلاحظ أن سيدنا موسى عليه السلام قد جمع بين كل هذه المراتب الإسلام والإيمان والإحسان. وكذلك غوث كل زمان يجمع بين هذه المراتب. لذا يسمى الفرد الجامع، أي جامعاً لمراتب الدين (الإسلام والإيمان والإحسان) ويسمي كامل العصر أو الإنسان الكامل  لكمال معرفته واستيفائه لشروط خلافة الله في الأرض. وسمي (الأغواث) أغواثاً لأنهم يسقي بهم الغيث، وينتصر بهم على الأعداء. قال تعالى: (إذ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِيـنَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) الأنفال الآية9-10.

راجع أخر الحديث (37) في قوله (فبهم يحي ويميت ويمطر وينبت ويدفع البلاء) ومثل هذا الشخص هو الأنسب لقيادة المسلمين اليوم ليدفع عنهم بلاء وطغيان اليهود، الذين تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بحمايتهم التامة. فلا يدان لأحد بقتال الأمريكان إلا أن يهلكهم الله بدعاء عيسى ابن مريم وأصحابه. والذين اتبعوه هم الفرقة الناجية من هذه الأمة. وهم الذين ينتصرون على الدجال الطاغية، ويأجوج ومأجوج الأكثر عدداً وعدة وهم الفئة المؤمنة التي يشير إليها قوله تعالى: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ) البقرة الآية 249. هذه الفئة ضمت نبي من بني إسرائيل وصديقين وشهداء وصالحين ومرافقين لهم. وجاء تفضيلهم في قوله تعالى: ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) النساء الآية 69. فقولـه (وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ) هم المحبون والأتباع لغوث زمانهم ومجدد عصرهم ممن لم يكونوا من أصحاب الفتوحات الكبيرة والدرجات الإيمانية الرفيعة. فإن الله يلحقهم بهم بسبب المحبة بينهم. وشاهد ذلك من السنة:

(39) أن رجلاً من الأعراب سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال: (إنها كائنة فما أعددت لها فقال الرجل: يا رسول الله لم أعد لها كثرة صلاة ولا عمل ولكني أحب الله ورسوله. فقال: أنت مع من أحببت) رواه مسلم وروى البخاري نحوه. قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) الأنعام الآية 55. فأعرف الحق تعرف أهله. قد وضحت الفرقة الناجية ببيان لا لبس فيه ليهلك من هلك عن بينه ويحي من يحي عن بينة. فبلغوا أمر الله امتثالاً لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ) البقرة الآية 159.

  

الخـــاتمة

     وعلى أئمة المساجد في كل مكان، والعلماء، تصحيح عقيدة الناس في كيفية عودة المسيح، بعد أن بين كتاب الله وسنة رسوله الكريم، أنه ينزل من الله روحا وينزل في الأرحام ويولد مرة ثانية وهذه مسألة جوهرية قاطعة لا لبس فيها، وأنه من السودان بالتحديد. وما دام القرآن بين أيدينا فلن يلتبس علينا الحق بالباطل أبدا. قال تعالى: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) النحل الآية 89. وقال صلى الله عليه وسلم: (قد تركتكم على المحجه البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدى إلا هالك  ومن يعيش منكم فسيرى إختلافاً فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنه الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وعليكم بالطاعة وإن عبداً حبشياً فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد إنقاد) أخرجه البخاري والترمذي وأحمد. فالمسئولية جد عظيمة لأنها مسئولية أمام الله، وتصحيح العقيدة يتطلب جهداً كبيراً لأن العقيدة الفاسدة تشعبت مع النفس وامتزجت بها وتخللت الجسد فأصبحت لبنته وقوامه. فلابد أن تنهض الأمة جمعاء للقيام بتصحيح العقيدة، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته. وتقع المسئولية الكبرى على الملوك والرؤساء في العالم الإسلامي لأن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن وأنتم تعلمون أن قريشاً التى ظلت تكذب الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من عقد من الزمان، وظل يتلو عليها القرآن ويجادلها بالتي هي أحسن دون جدوى، ولكنها آمنت له كلها في ساعة واحدة، عند ما جاءها بهيبة السلطان. والسلطان نفسه هو الذي وقف في وجه الإيمان بموسى عليه السلام. (فَمَا آَمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ) يونس83. فلا تفتنوا الناس عن مبايعتي وإتباعي. فالرعية تنتظر مبادرتكم حتى لا تقولوا لهم آمنتم له قبل أن نأذن لكم، وللأزهر الشريف دوره الرائد في التصحيح فالعلماء في مشارق الأرض ومغاربها هم كواكبه، أضاءت ظلمات الجهل من ضياء شمس معارف الأزهر حتى إستبان طريق الهدى والرشاد، محجة بيضاء لمن أراد الوصول إلى الله فكلكم مسئول عن رعيته. وأنتم محط ثقة الجميع. وعلى أحبار هذه الأمة وعلمائها في شتى أنحاء العالم مسئولية جسيمة في تصحيح العقيدة. فهم ورثة الأنبياء في الاستقامة على جادة الطريق، والخوف خشية أن تزل قدمهم بمخالفة الله ولو بصغائر اللمم. (ولأن يهدي الله بك امرئ واحداً خير لك من حمر النعم). فأنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله وتكفي الشهادة على أمانتكم، أنكم حفظتم نصوص الشريعة كما هي دون تحريف بحفظ القواعد الأساسية التي تقوم عليها الشريعة والعقيدة، فما زالت المعالم واضحة لمن أراد إقامة صرح الدين. فأي شهادة تقدير أعظم من حفظكم للدين فأورثتموه كما ورثتموه بلا تحريف فلا تتوانوا في أن تعدوا في قائمة المصححين فأنتم أعلم بنصوص التشريع والله المعين.

(40) قال رسول الله صلى الله علية وسلم: (نضر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها، وأداها كما سمعها فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) السيرة النبوية – مؤسسة البلاغ – طبعة أولى ص 373. وفي رواية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرئاً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها فرب حامل فقه الى من هو أفقه منه) صحيح اخرجه الترمزي واللفظ له 5/24 وإبن ماجة 1/85 وأحمد 1/437 . وفي رواية قال رسول الله صلى الله وسلم: ( نضر الله امرأ منا سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه الى من هو افقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه) رواه الترمزي ـ صحيح . 

وبفضل هؤلاء الأمناء أُلحق آخر هذه الأمة بأولها قال تعالى: ( وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِم ) الجمعة الآية 3. وسيقفل باب الإنضمام لهذه الطائفة بعد موتي، بعد أن أملا الأرض المقدسة عدلاً ولو ليوم واحد. قال تعالى: ( وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) النساء الآية (159) صدق الله العظيم.

فغاية مما كلفت به هو البلاغ المبين بأني أنا سليمان أبو القاسم المسيح المهدى منقذ هذه الأمة من الفتن وهاديها من الضلال وناصرها بالحق وداعياً إلى الله بإذنه على محجة الرشاد.

والحمد لله رب العالمين

المسيح المهدي المحمدي /

سليمان أبو القاسم موسى

8 مايو 2001 م

الملحق (من المنشور رقم (62) كردفان كوفة المهدي)

الملخص

حديث رقم(8) في شرح قوله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " (المائدة 54).

قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): "سيأتي الله بقوم يحبهم الله ويحبونه، ويملك من هو بينهم غريب، فهو المهدي، أحمر الوجه، بشعره صهبة، يملأ الأرض عدلاً بلا صعوبة يعتزل في صغره عن أمه وأبيه، ويكون عزيزاً في مرباه، فيملك بلاد المسلمين بأمان، ويصفو له الزمان، ويسمع كلامه ويطيعه الشيوخ والفتيان، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً "(ينابيع المودة للقندوذي: صفحة 467).

أقـول:

 فأنا عيسى بن مريم المهدي سليمان الغريب الذي جاء من بعيد فيناصرني السودان رعاة الإبل ( ثوار دارفور) بعد أن كفر بدعوتي غيرهم. أما المسيرية أهلي الذين نشات وسطهم ليعلموا أن الفضل بيد الله يهبه لمن يشاء من عباده. وقوله: "يعتزل في صغره عن أمه وأبيه" لا تعني إختفاؤه عن الأنظار كما فهم فقهاء الشيعة وإنما هي حدث وقع لي في صغري فقد كنت أسير مع الرعاة تجاه بحر العرب وأترك خلفي والدي ووالدتي وهما يقومان بحصاد وجمع ما تم زراعته في فصل الخريف. وقد تكرر هذا الحدث كثيراً ليعطي المعنى المراد في الحديث بقول أمير المؤمنين(عليه السلام)" يعتزل في صغره عن أمه وأبيه".

عن يسير بن جابر قال :" هاجت ريح حمراء بالكوفة ... فاذا كان اليوم الرابع نهد إليهم بقية أهل الإسلام ". صحيح مسلم (كتاب الفتن وأشراط الساعة) باب إقبال الروم في كثرة القتل عند خروج الدجال حديث رقم 2899.

بقية أهل الإسلام هم ثوار دارفور أنصار شخصي المسيح المهدي المحمدي سليمان أبي القاسم موسى ـ وهم السودان رعاة الإبل صفوة ثلة الآخرين يقول تعالى في محكم التنزيل: " {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ *وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ" سورة الجمعة  الآيات (2- 4) .

الآخرون الذي لم يعاصروا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم النبي الأمي، هم أنصاري لله عز وجل، السودان رعاة الإبل ـ ثوار دارفور وشخصي سليمان المسيح المهدي هو هادي ثلة الآخرين كما كان النبي الأمي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم هو هادي ثلة الأولين . ومن ثم، فاليوم الرابع هو لحظة مجيئي وبرفقتي السودان رعاة الإبل الأعاجم قادماً من دارفور ـ خراسان الغرب الى كردفان ـ الكوفة دار المسيرية لمواجهة الدجال الأمريكي الصهيوني فتقع المعركة  الموصوفة في الحديث وأهزم الدجال بوعد الصدق الذي لا مراء فيه.

حديث رقم(9) عن جابر الجعفي قال: قال لي محمد بن علي الباقر( عليه السلام): "يا جابر ان لبني العباس راية ولغيرهم رايات فإياك ثم إياك ثلاثاً حتى ترى رجلاً من ولد الحسين (عليه السلام) يبايع له بين الركن والمقام معه سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله ومغفر رسول الله صلى الله عليه وآله ودرع رسول الله صلى الله عليه وآله وسيف رسول الله صلى الله عليه وآله". ( معجم أحاديث الامام المهدي - ج -3- حديث رقم 772).

أقول:

 إن الرايات التي تتصارع بالكوفة دار المسيرية اليوم هي رايات بني العباس الثلاثة ثم تعقبها راية السفياني الدجال الأمريكي، ثم تجيئ راية شخصي المهدي سليمان. وهي الراية السوداء القادمة من خراسان الغرب وبرفقتي السود الجعد ثوار دارفور وهذه هي راية الرجل من ولد الحسين(عليه السلام) شخصي الذي يبايع بين الركن والمقام (دارفور مكة القائم) بعد أن يكتمل الصف ببيعة الثوار لشخصي المسيح المهدي سليمان ولله الحمد. وإكتمال الصف الإيماني هو المعبر عنه بالأثر المروي . عن الأمام الباقر(عليه السلام) بقوله: "لا يخرج المهدي حتى يكتمل بيته" (بشارة الأسلام).

 البيت هنا هو طائفة أهل الإيمان السودان رعاة الإبل. ويشير إلى معنى البيت كصف إيماني قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) الصف الآية (4). وأذكر أثناء وجودي بقرية الحريكة مابين عامي (1997م - 1998م) خاطبني الحق عزوجل بقوله:

"سأمسك بالعدو لحين إكتمال الصف ثم أقذف به في جهنم". وسأجئ على قدر وأمر من الله عزوجل من دارفور( مكة القائم) إلى الكوفة لأدفع عن أهلها شر الدجال وبطشه ليتحقق الخبر المروي عن الصحابي حذيفة بن اليمان بقوله: "يا أهل الكوفة أنتم أسعد الناس بالمهدي" ( كنز العمال-ج14) .

جاء عن النبي  صلى الله عليه وسلم في باب اسباب النزول لسورة الواقعة لـلـ(نيسابوري) "... لن تستكمل ثلتنا حتى نستعين بالسودان السود الجعد اصحاب الجلاليب رعاة الإبل من شهد أن لا إله إلا الله". المصدر:(النيسابوري- أسباب النزول). فعند وصولي إلى دارفور يجب على أهل دارفور أن يبايعوني على السمع والطاعة متى ما ذهبت إليهم، عند مكة (دارفور).

فقد أثبتُّ أن الكوفة هي ليست كوفة العراق بل هي كردفان وأن مكة هي ليست مكة المكرمة في الجزيرة العربية بل هي دارفور(مكة القائم)

(منقول من كتاب اليماني ) من فكر السيد ابي عبد الله الحسين القحطاني:

"... وهناك في المهجر ستأخذ الدعوة إطاراً أوسع وأكثر انتشاراً مما كانت عليه في السابق

بل ربما يتمكن اليماني وأتباعه من الوصول لحكم تلك البلاد وبالتالي تأسيس جيش بكافة معداته ... وقد بينا إن لدعوة الإمام المهدي (عليه السلام) شبهاً كبيراً بدعوة جده المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم تسليما)، ثم انه ما أن تتاح الفرصة لليماني ويحين الوقت الملائم حتى يبدأ بحركته العسكرية باتجاه الكوفة  فهذا المكان هو الكوفة ( مكة الإمام المهدي وليست مكة المكرمة حسب التأويل ".أهـ.

 المصدر : المصدر : http://noon-52.com/vb/showthread.php?t=7265